نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٦٠
و لقد استهزأ بهذه الطريقة من لم يدرك غورها و أمكن تقريرها من وجهين:
أحدهما: أن الفعل قد دل على وجود صانع للعالم مريد قادر فإن قدر ثان، فلا يخلو إما أن يكون له دليل خاص على وجوده أو يجوز عقلا بأن يقال كما لا دليل على وجوده لا دليل على انتفائه فإن له دليلا بأن يخلق عالما آخر غير العالم المعين فيؤدي إلى قصور في الإلهين جميعا كما بينا و إن جوز ذلك فيجب أن يكون عالما بأن يخلق مريدا لأن يخلق قادرا على أن يخلق و إذا لم يخلق دل على أنه لم يرد و إذا لم يرد علم أن لا يخلق و الإله يجب علمه بأن يخلق و يريد بأن يخلق حتى يكون مثلا للأول فإنما ليس بمثل له ليس بإله.
و الوجه الثاني في تقرير التكافؤ: أن الأمر لا يخلو إما أن يقف في عدد معلوم فيستدعي الاقتصار على عدد محصور مقتضيا حاصرا فإن الكمية من حيث العدد كالكمية من حيث المساحة أ ليس لو كان واحدا ذا حجم و عظم مشكل اقتضى مشكلا لذلك إذا كان ذا مقدار و عدد اقتضى مقدرا و إن لم يقف في عدد معلوم اقتضى أعدادا غير متناهية محصورة في الوجود غير مترتبة و ذلك محال و بالجملة ما لا دليل عليه عقلا فتجويز وجوده تقدير عقلي و المجوز عقلا المقدر ذهنا ليس بإله.
فلا تعقل عن هذه الدقيقة و أفرق في المعقولات بين تقدير المحال لفظا أو فرضا و بين تجويزه عقلا أو عقدا و اعلم أن التقدير المذكور في الكتاب فرض محال لفظا ليس بطلانه عقلا.
سؤال على وجه دلالة الفعل [١]:
فإن قيل صادفنا في الموجودات خيرا أو شرا أو نظما أو فسادا و وجه دلالة الخير يخالف وجه دلالة الشر بل وجود الخير يدل على مريد الخير و وجود الشر يدل على مريد الشر و مريد الخير على الإطلاق لا يكون مريدا للشر على الإطلاق كما أن مريد الخير في فعل مخصوص لا يكون مريد الشر في ذلك الفعل بعينه فاختلاف وجه دلالة الفعل بالتضاد دل على اختلاف الفاعلين بالتضاد و كما أنكم استدللتم بأنه لو كان معه إله لفسدت السموات و الأرض فنحن نستدل بفساد فيهما خيرا و شرا على إلهين اثنين.
[١] انظر: المواقف للإيجي (٣/ ٥٦٦)، و التبصير في الدين للأسفراييني (ص ١٦٣)، و التمهيد للباقلاني (ص ٢٢٨، ٢٢٩، ٢٣٠).