نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٣
كونه قبيحا و حسنا و منهيا عنه و مأمورا به و من المعلوم أن المطلوب بالتكليف مختلف الجهة فمنه ما هو واجب فعله و يثاب عليه و يمدح به و منه ما هو واجب تركه و يعاقب على فعله و يذم عليه.
و إن قلتم: المكلف به هو جهة يستحق المدح و الذم عليه فهو مسلم و ذلك الوجه ليس يندرج تحت القدرة و ما اندرج لم يكن مكلفا به فسقط الاحتجاج بالتكليف.
فإن قيل المقدور هو وجود الفعل إلا أنه يلزمه ذلك الوجه المكلف به لا مقصودا بالخطاب.
قيل: لا يغنيكم هذا الجواب فإن التكليف لو كان مشعرا بتأثير القدرة في الوجود كان المكلف به هو الوجود من حيث هو وجود لا غير و لكن تقدير الخطاب أوجد الحركة التي إذا وجدت يتبعها كونها حسنة و عبادة و صلاة و قربة فما هو مقصود بالخطاب غير موجود بإيجاده فيعود الإلزام عكسا عليكم افعل يا من لا يفعل فليت شعري أي فرق بين مكلف به لا يندرج تحت قدرة المكلف و لا يندرج تحت قدرة غيره و بين مكلف به اندرج تحت قدرة المكلف من جهة ما كلف به و اندرج تحت قدرة غيره من جهة ما لم يكلف به أ ليس القضيتان لو عرضتا على محك العقل كانت الأولى أشبه بالجبر فهم قدرية من حيث أضافوا الحدوث و الوجود إلى قدرة العبد إحداثا و إيجادا و خلقا و هم جبرية من حيث لم يضيفوا الجهة التي كلف بها العبد إلى قدرته كسبا و فعلا كما قيل أعور بأي عينيه شاء ثم يلزمهم الأعراض التي اتفقوا على أنها حاصلة بإيجاد الباري سبحانه و قد ورد الخطاب بتحصيلها أو بتركها و توجه الثواب و العقاب عليها و هي أيضا مما يتعارفه الناس و يتداولونه مثل الألوان و الطعوم و استعمال الأدوية و السموم و الجراحات المزهقة للروح و الفهم عقيب الإفهام و الشبع عقيب الطعام إلى غير ذلك فإن هذه كلها حاصلة بإيجاد الباري سبحانه و قد يرد الخطاب بتحصيلها عقيب أسباب يباشرها العبد.
و وجه الإلزام أن الخطاب يتوجه بتحصيل أعيانها مقصودا و لذلك يعاقب على قدر و يمدح على قدر و من المعلوم أن من استأجر صباغا ليبيض ثوبه فسوده غرم و من قتل إنسانا بسم استوجب القود و من أحرق ثوب إنسان أو أغرق سفينة أو فتح بثقا حتى هلك زرع أو هدم دار عوقب على ذلك و ضمن و غرم، فمورد التكليف ما اندرج تحت القدرة و ما اندرج تحت القدرة غير مورد التكليف.
و الجواب عن السؤال من حيث التحقيق أنا قد بينا وجه الأثر الحاصل بالقدرة