نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥١
ردّ التفرقة إلى العرضية و اللونية و الحركية في أنها بالقدرة الحادثة فإنها صفات نفسية ثابتة في العدم و لا إلى الاحتياج إلى المحل فإنها من الصفات التابعة للحدوث فلذلك نحن لا نردّها إلى الوجود فإنها من آثار القدرة الأزلية و نردها إلى ما أنتم تقابلونه بالثواب و العقاب حتى ينطبق التكليف على المقدور و المقدور على الجزاء و الدواعي و الصوارف أيضا تتوجه إلى تلك الجهة فإن الإنسان لا يجد في نفسه داعية الإيجاد و يجد داعية القيام و القعود و الحركة و السكون و المدح و الذم و هذه هيئات تحصل في الأفعال وراء الوجود تتميز عن الوجود بالخصوص و العموم فإن شئت سميتها وجوها و اعتبارات و بالجملة لا تنزل في كونها معقولة عن درجة الاختصاص ببعض الجائزات الذي هو من أثر الإرادة و الإحكام و الإتقان الذي هو من أثر العلم و كون الصيغة أمرا و نهيا و وعدا و وعيدا بالإرادة.
و السر الذي دفعنا إلى ذلك عموم تعلق قدرة الباري سبحانه و تعالى و قادريته و استدعاؤها أعم صفات الفعل و خصوص صلاحية القدرة الحادثة و استدعاؤها أخص صفات الفعل فإن الفعل كان مقدورا للباري سبحانه و تعالى قبل تعلق القدرة الحادثة أي هي على حقيقة الإمكان صلاحية و القدرة على حقيقة الإيجاد صلاحية و نفس تعلق القدرة الحادثة لم تخرج الصلاحيتين عن حقيقتهما فيجب أن تبقى على ما كانت عليه من قبل ثم يضاف إلى كل واحد من المتعلقين ما هو لائق فالوجود من حيث هو وجود إما خير محض و إما لا خير و لا شر انتسب إلى الباري سبحانه إيجادا و إبداعا و خلقا و الكسب المنقسم إلى الخير و الشر انتسب إلى العبد فعلا و اكتسابا و ليس ذلك مخلوقا بين خالقين بل مقدورا بين قادرين من جهتين مختلفتين أو مقدورين متمايزين لا يضاف إلى أحد القادرين ما يضاف إلى الثاني.
ثم نقول نحن نعكس عليكم الدليل فنستدل على أن الحركات ليست مخلوقة للعباد بوقوع أكثرها على خلاف الدواعي و القصود فإن الإنسان إذا أراد تحريك يده في جهة مخصوصة على حد مضبوط عنده مثل تحريك إصبعه على خط مستقيم لم يتصور ذلك من غير انحراف عن الجهة المخصوصة، و كذلك لو رمى سهما و قصد أن يمضي فأخطأ أو رمى حجرا فأصاب موضعا و أراد أن يصيب في الرمي، ثانيا لم يتأت له ذلك و يستمر ذلك في جميع الصناعات المبنية على الأسباب فإن الاستداد و الانحراف فيها مرتب على حركات اليد و الإنسان قاصر القدرة على تسديدها على حسب الداعية فإذا وجدنا الدواعي و لم نجد التأتي و وجد التأتي و لم توجد الدواعي علمنا أن اختلاف الأحوال و الحركات دالة على مصدر آخر سوى دواعي الإنسان و صوارفه.