نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٠
مدارك السمع.
أما الأول فقالوا: الإنسان يحس من نفسه وقوع الفعل على حسب الدواعي و الصوارف فإذا أراد الحركة تحرك و إذا أراد السكون سكن و من أنكر ذلك جحد الضرورة فلو لا صلاحية القدرة الحادثة لإيجاد ما أراد لما أحس من نفسه ذلك قالوا و أنتم وافقتمونا على إحساس التفرقة بين حركة الضرورة و الاختيارية و لم يخل الحال من أحد أمرين إما أن يرجع إلى نفس الحركتين من حيث إن إحداهما واقعة بقدرته و الثانية واقعة بقدرة غيره و إما أن يرجع إلى صفة في القادر من حيث إنه قادر على أحدهما غير قادر على الثانية فإن كان قادرا فلا بد له من تأثير في مقدوره و يجب أن يتعين الأثر في الوجود لأن حصول الفعل بالوجود لا بصفة أخرى تقارن الوجود و ما سميتموه كسبا غير معقول فإن الكسب إما أن يكون شيئا موجودا أو لم يكن شيئا موجودا فإن كان شيئا موجودا فقد سلّمتم التأثير في الوجود و إن لم يكن موجودا فليس بشيء.
و أكدوا ما قالوه بقولهم إثبات قدرة لا تأثير لها كنفي القدرة فإن تعلقها بالمقدور كتعلق العلم بالمعلوم و لا يجد الإنسان تفرقة بين حركتين في أن إحداهما معلومة و الثانية مجهولة و يجد التفرقة بينهما في أن إحداهما مقدورة و الثانية غير مقدورة.
قلنا: وقوع الفعل على حسب الدواعي ممنوع بل هو نفس المتنازع فيه و دعوى الضرورة فيه غير مستقيم لمخالفتنا إياكم في ذلك و لانتقاضه عليكم طردا و عكسا فإن أفعال النائم و الساهي و الغافل لم تقع على حسب الدواعي و هي منسوبة إلى العباد نسبة الإيجاد عندكم و كثير من الأعراض وقع على حسب الدواعي و هي غير منسوبة إلى العباد نسبة الإيجاد عندكم بالاتفاق كالألوان التي تحصل بالصبغ و الطعوم التي تحصل بالمزج و الحرارة و الرطوبة و البرودة و اليبوسة عند تقريب الأجرام بعضها من بعض، و الشبع عند الطعام و الري عقيب الشرب و الفهم عند الإفهام إلى غير ذلك مما أجرى اللّه تعالى العادة به فلا دعوى الضرورة صحيحة و لا الدليل مطرد و أنتم مدفوعون إلى إيراد حجة على نفس ما تنازعنا فيه و هو إثبات تأثير القدرة الحادثة في الوجود من حيث هو وجود و ما ذكرتموه من التفرقة بين الحركتين إما الوجدان فمسلم لكن لم قلتم إن إحداهما موجودة بالقدرة الحادثة فإنا قد بينا أنها راجعة إلى أحد أمرين إما إلى صفة في المحل و إما إلى حال في الحركة و فصلناهما أحسن تفصيل و بالجملة الإيجاد غير محسوس و لا يدرك بإحساس النفس ضرورة فقد وجدنا للتفرقة بين الحركتين و الحالتين مرجعا و مردا غير الوجود أ ليس من أثبت المعدوم شيئا عندكم ما
نهاية الأقدام في علم الكلام ٥١ القاعدة الثانية في حدوث الكائنات بأسرها بأحداث له سبحانه