نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٨
أن الفعل ذو جهات عقلية و اعتبارات ذهنية عامة و خاصة كالوجود و الحدوث و العرضية و اللونية و كونه حركة أو سكونا و كون الحركة كتابة أو قولا و ليس الفعل بذاته شيئا من هذه الوجوه بل هي كلها مستفادة له من الفاعل و الذي له بذاته هو الإمكان فقط و أما وجوده فمستفاد من موجده على الوجه الذي هو به و هو أعم الوجوه، و أما كونه كتابة أو قولا فمستفاد من كاتبه أو قائله و هو أخص الوجوه فيتميز الوجهان تميزا عقليا لا حسيا و تغاير المتعلقان تغايرا سمّي أحدهما إيجادا و إبداعا و هو نسبة أعم الوجوه إلى صفة لها عموم التعلق و سمي الثاني كسبا و فعلا و هو نسبة أخص الوجوه إلى صفة لها خصوص التعلق فهو من حيث وجوده يحتاج إلى موجد و من حيث الكتابة و القول يحتاج إلى كاتب و قائل و الموجد لا تتغير ذاته أو صفته لوجود الموجد و يشترط كونه عالما بجميع جهات الفعل و المكتسب تتغير ذاته و صفته لحصول الكسب و لا يشترط كونه عالما بجميع جهات الفعل.
و بيان آخر نقول: جلت القدرة الأزلية عن أن يكون لها صلاحية مخصوصة مقصورة على وجوه من الفعل مخصوصة و قصرت القدرة الحادثة عن أن يكون لها صلاحية عامة شاملة لجميع وجوه الفعل و ذلك أن صلاحية القدرة الحادثة لم تشمل جميع الموجودات بالاتفاق فلا تصلح لإيجاد الجوهر و كل عرض بل هي مقصورة على حركات مخصوصة و القدرة الحادثة فيها مختلفة الصلاحية حتى يمكن أن يقدر نوعية مخصوصة و القدرة الحادثة لتنوع الصلاحية فلذلك اقتصرت على بعض الموجودات دون البعض بخلاف قدرة الباري سبحانه فإن صلاحيتها واحدة لا تختلف فيجب أن يكون متعلقها واحدا لا يختلف و ذلك هو الوجود فإذا لم يجز أن يضاف أخص الأوصاف إلى الباري سبحانه لأنه يؤدي إلى قصوره في الصلاحية كذلك لا يجوز أن يضاف أعم الأوصاف إلى القدرة الحادثة لأنه يؤدي إلى كمال في الصلاحية فلا ذاك الكمال مسلوب عن القدرة الإلهية و لا هذا الكمال ثابت للقدرة الحادثة فينعم النظر فيه لأن فيه خلاصا فلا يجوز أن يضاف إلى الموجد ما يضاف إلى المكتسب حتى يقال هو الكاتب القائل القاعد القائم و لا يجوز أن يضاف إلى المكتسب ما يضاف إلى الموجد حتى يقال هو الموجد المبدع الخالق و الرازق.
و عن هذا كان الجواب المرتضى عند التمييز بين الخلق و الكسب أن الخلق هو الموجود بإيجاد الموجد و يلزمه حكم و شرط.
أما الحكم: فإنه لا يتغير الموجد بالإيجاد فيكسبه صفة و لا يكتسب عنه صفة.
و أما الشرط: أن يكون عالما به من كل وجه و الكسب هو المقدور بالقدرة