نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٩
كثرة في الذات إلا أنها لا توجب أشياء، فإن ذات واجب الوجود واحدة من كل وجه إلا أنها لا تتكثر بالإضافات و السلوب و الصفات الإضافية و السلبية لا توجب أشياء متعددة إذ لو أوجبت لأضيف إلى واجب الوجود جميع الموجودات إضافة واحدة من غير وسائط و ذلك محال عندكم فهم بين أمرين متناقضين إن أثبتوا في المعلول الأول صفات إيجابية مختلفة الحقائق فقد ناقضوا مذهبهم حيث قالوا الواحد لا يصدر عنه إلا واحد و إن قالوا هذه الصفات التي ثبتت إضافية أو سلبية لزمهم أن يثبتوا مقتضيات متعددة لواجب الوجود و ذلك أيضا يناقض مذهبهم.
و هذا إلزام إفحام لا محيص عنه، ثم نفصّل القول بعد الإجمال فنقول إذا كان المقتضي مفصلا معلوما مختلف الأنواع يجب أن يكون المقتضى مفصلا معلوما مختلف الحقائق و ما أثبتم إلا أمرين أحدهما كونه واجبا بغيره و الثاني كونه جائزا بذاته و كونه واجبا بغيره أوجب عقلا أو نفسا و كونه ممكنا بذاته أوجب صورة و مادة فقد أثبتم صدور موجودين جوهرين قائمين بذاتيهما من وجه واحد و ذلك أيضا يناقض مذهبهم.
و أراد من تلبس منهم أن يعتذر عن هذين الإلزامين فقال: إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد كما ذكرنا إلا أن العقل الأول إنما يكثر باعتبارات ذاته لا بما استفاد من غيره لأن الإمكان له من ذاته لا من غيره و الوجود له من غيره لا من ذاته فلم يستفد الكثرة من واجب الوجود لعمري لما حصل العقل حصلت له اعتبارات أربعة أحدها:
كونه واجبا بغيره و الثاني: كونه عقلا، و الثالث: كونه واحدا في ذاته، و الرابع: كونه ممكنا في ذاته فأوجب من حيث هو عقل عقلا و من حيث هو موجود بواجب الوجود نفسا، و من حيث هو واحد صورة و من حيث هو ممكن مادة و هذه الاعتبارات لما كانت مختلفة الحقائق أوجبت جواهر مختلفة الأنواع.
انظروا بعين الاعتبار إلى هذا الاعتذار هل هو إلا تحكم محض لم يقم عليه دليل عقلي و لا شاهد حسي بل هو أقل رتبة من طرد الفقهاء أرادوا بناء أشرف الموجودات كمالا على اعتبارات كلها ترجع إلى عبارات فنطالبهم أولا بصحة هذه المناسبات و لا يجدون إلى إثباتها سبيلا.
ثم نقول كونه واجب الوجود بغيره أمر إضافي لا محالة لأن كون واجب الوجود مبدأ و علة أو موجبا و مبدعا أمر إضافي لا تتكثر به الذات، فإذا كان الإيجاب إضافة فيكون بين الموجب و الموجب إضافة لا محالة، و الأمر الإضافي قد يتكثر و يتعدد و لا تتكثر به الذات فلو صح أن يكون موجبا في العقل الأول العقل الآخر لصح مثله في واجب الوجود بذاته فهلا كثرت الإضافات في حق واجب الوجود حتى تتحقق له