نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٨
عدم من وجه و الوسائط إن أثبتت فإنها معدات لا موجدات.
فإن قيل الممكن باعتبار ذاته إنما يوجب غيره أو يوجد باعتبار وجوده بغيره و حين لاحظنا جانب الوجود نقطع نظرنا عن الإمكان و العدم، فإن الإمكان قد زال بثبوت الوجود و حصل الوجوب بدل الإمكان فلا التفات إلى الإمكان أصلا فلم يؤثر بشركة الإمكان.
و الجواب قلنا: إذا كان الوجود من حيث هو وجود مؤثرا من غير ملاحظة إلى وجه الإمكان و الجواز فليؤثر وجود كل موجود حتى لا يكون العقل بالإيجاب أولى من النفس أو الجسم، و حتى يكون الجسم مؤثرا في الجسم باعتبار صورته، لا من حيث مادته فإن الوجود من حيث هو وجود لا يختلف و إنما الاختلاف في كل موجود إنما يرجع إلى الفواصل.
فإن قيل: العقل الأول إنما يوجب شيئا آخر بسبب اعتبارات في ذاته فهو من حيث وجوده بواجب الوجود يوجب عقلا أو نفسا و من حيث إنه ممكن بذاته يوجب جسما هو صورة و مادة و قولكم إن جهة الإمكان غير ملتفت إليها أصلا باطل فإن جهة الوجوب يناسب وجود العقل و النفس و جهة الإمكان يناسب وجود المادة و الصورة و إنما حملنا على إثبات هذا الإيجاب لأن الواحد لا يجوز أن يصدر عنه إلا واحد فإنه لو صدر عنه اثنان لكل عن جهتين، و لو ثبت أن له جهتين لتكثرت ذاته و قد دل البرهان على أن واجب الوجود لن يتكثر.
و الجواب قلنا: و لو كان العقل إنما أوجب عقلا أو نفسا باعتبار أنه واجب بغيره لا وجب الجسم جسما أو نفسا باعتبار أنه واجب بغيره، فإن قضية الوجوب بالغير لا تختلف إلا أن يكون أحدهما بغير واسطة و الثاني بواسطة و إلا فمن حيث إن الجسم ذو مادة لا يمتنع عليه الإيجاد من حيث إنه واجب بغيره، و كما أن العقل من حيث إنه ذو إمكان في ذاته لم يمتنع عليه بالإيجاب و الإيجاد من حيث أنه واجب بغيره فقولوا إن الجسم يجوز أن يوجد جسما أو قوة في جسم، يجوز أن توجب جسما أو صورة الجسمية يجوز أن توجب جسما و هذا مستحيل بالاتفاق.
ثم نقول هاهنا مقتضيات أربعة: عقل و نفس و فلك و مادة، و هي جواهر مختلفة متمايزة بالحقائق تستدعي مقتضيات أربعة مختلفة بالحقائق أيضا فعليكم أن تثبتوا في المعلول الأول هذه الحقائق بحيث يناسب كل واحد واحد، و إلا فيلزم أن يصدر عن شيء واحد أشياء و ذلك محال عندكم و عليكم أيضا أن تثبتوا أن تلك الاعتبارات المقتضية لا ترجع إلى إضافات و سلوب فإن كثرة الإضافات و السلوب و إن لم توجب