نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٢
من جهة ذاتها لا من جهة الانتقال من غيرها و كل علة من جهة ذاتها فمعلولها من جهة ذاتها، و إذا كانت ذاتا لم تزل فمعلولها لم يزل.
و الجواب: قلنا ما المعنى بقولك الباري تعالى جواد بذاته و ما معنى الجود فإن عندنا و عندكم الجود ليس صفة ذاتية زائدة على الذات بل هو صفة فعلية و الصفات عندكم إما أن تكون سلوبا كالقديم و الغنى فإن معنى القديم نفي الأولية و معنى الغنى نفي الحاجة و إما أن تكون إضافات كالخالق و الرازق على اصطلاحنا و المبدئ و العلة الأولى على اصطلاحكم و ليس للّه صفة وراء هذين المعنيين، فالجود من قسم الإضافة لا من قسم السلب فلا فرق إذا بين معنى المبدئ و بين معنى الجود و معناهما الفاعل الصانع فكأنكم قلتم صانع بذاته و هو محل النزاع و مصادرة على المطلوب الأول فإن الخصم يقول: ليس فاعلا لذاته و فعله ليس قديما لم يزل و فيه وقع الخلاف غيرت العبارة من الفعل إلى الجود و جعلته دليل المسألة، و إذا كان معنى الجود راجعا إلى الفعل و الإيجاد فقوله مرة هو جواد و مرة غير جواد كقوله مرة فاعل و مرة غير فاعل، و ذلك أيضا محل النزاع فلم يجب أن يقال: إنه يوجب التغير.
و إنما هل الشبهة فيه من وجهين: أحدهما أن الفعل إنما امتنع في الأزل لا لمعنى يرجع إلى الفاعل بل لمعنى راجع إلى نفس الفعل حيث لم يتصور وجوده فإن الفعل ما له أول و الأزل ما لا أول له و اجتماع ما لا أول له مع ما له أول محال فهو تعالى جواد حيث يتصور الجود و لا يستحيل الموجود أ ليس لو عين الشخص في زماننا فيقال:
يجب أن يوجد أزلا لأن الباري سبحانه جواد لذاته كان السؤال محالا لأن الموجود المعين استحال وجوده فيما لم يزل فاستحالة وجود الموجود هو المانع لفيض الوجود لا منعا يكون ذلك حملا أو زجرا بل هو ممتنع في ذاته و هكذا لو أوجد ما أوجده أولا آخرا أو أوجد جميع الموجودات معا من غير ترتيب واحد على واحد كل ذلك غير جائز عند الخصم و لم يقدح في كونه جوادا هذا كما يقدره المتكلم أن الباري سبحانه يوصف بالقدرة على ما يجوز وجوده و أما ما يستحيل وجوده فلا يقال الباري تعالى ليس قادرا عليه بل يقال المستحيل في ذاته غير مقدور فلا يتصور وجوده [١].
و هذا هو الجواب أيضا عن قولهم: لو لم يكن صانعا فصار صانعا كان صانعا بالقوة فصار صانعا بالفعل و تغيرت ذاته.
[١] انظر: غاية المرام للآمدي (ص ٢٦٦)، و مقالات الإسلاميين للأشعري (ص ١٨٢)، و الفصل لابن حزم (٢/ ١٣٥)، و الملل و النحل للمصنف (٢/ ١٣٦)، و المواقف للإيجي (٢/ ٦٣٠).