نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٩
معنى كونه عقلا عند الخصم معنى سلبي أيضا أي مجرد عن المادة و بأن يكون مجردا عن المادة لا يلزم أن يكون مفيد الوجود لغيره، فبطل الإيجاب الذاتي من كل وجه و تعين أنه إنما أوجد لكونه على صفة و لتلك الصفة من حيث ذاتها صلاحية التخصيص و الإيجاد عموما بالنسبة إلى ما حصل على الهيئة التي حصل و بالنسبة إلى غيرها نسبة واحدة، و لها أيضا خصوص وجه بالنسبة إلى ما حصل دون ما لم يحصل و ذلك الخصوص لها عند إضافتها إياها إلى غيرها [١].
فنقول: لما علم الباري وجود العالم في الوقت الذي وجد فيه أراد وجوده في ذلك الوقت فالعلم عام التعلق بمعنى أنه صفة صالحة لأن يعلم به جميع ما يصح أن يعلم و المعلومات لا تتناهى على معنى أنه علم وجود العالم و علم جواز وجوده قبل و بعد على كل وجه يتطرق إليه الجواز العقلي و الإرادة عامة التعلق بمعنى أنها صفة صالحة لتخصيص ما يجوز أن يخصص به و المرادات لا تتناهى على معنى أن وجوه الجواز في التخصيصات غير متناهية و لها خصوص تعلق من حيث إنها توجد و توقع ما علم و أراد وجوده، فإن خلاف المعلوم محال وقوعه فالصفات كلها عامة التعلق من حيث صلاحية وجودها و ذواتها بالنسبة إلى متعلقاتها إلى ما لا يتناهى خاصة التعلق من حيث نسبة بعضها إلى بعض و الإرادة لا تخصص بالوجود إلا حقيقة ما علم وجوده و القدرة لا توقع إلا ما أراد وقوعه و تعلقات هذه الصفات إذا توافقت على الوجه الذي ذكرناه حصل الوجود لا محالة من غير تغيير يحصل في الموجد، و إنما يتعذر تصور هذا المعنى علينا لأنا لم نحس من أنفسنا إيجادا و إبداعا و لا كانت صفاتنا عامة التعلق فعلمنا إذا لم يتعلق إلا بمعلوم واحد و لم تتعلق إرادتنا إلا بمراد واحد و لا قدرتنا إلا بمقدور واحد لا على سبيل الإيجاد و لن يتصور بقاء صفاتنا لكونها أعراضا فيتقاضى عقلنا و حسنا حدوث سبب لحدوث أمر، حتى لو قدرنا علما و إرادة و قدرة لها عموم التعلق بمتعلقات لا تتناهى على معنى صلاحية كل صفة لمتعلقها و قدرنا صلاحية قدرتنا للإيجاد و قدرنا بقاء الصفات فعلمنا وجود شيء بقدرتنا و إرادتنا في وقت مخصوص و دخل الوقت لا نشك أن الشيء يقع ضرورة من غير أن تتغير ذاتنا أو يحدث أمر أو سبب لم يكن و هذا كما يقدره الخصم في العقل الفعال و فيضه، فإنه يقول هو عام الإفاضة واهب للصور على الإشاعة من غير تخصيص ثم يثبت له نوع خصوص بالإضافة إلى القوابل و الشرائط التي تتكون فتحصل استعدادا في القوابل
[١] انظر: المواقف للإيجي (١/ ٣٥٢)، (٣/ ٢١٨).