نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٧٩
و يطلق البداء على الندم على ما كان و الندم هو أن يقول قولا أو يفعل فعلا لغرض ثم يرى أن المصلحة في غير ما صدر عنه قولا و فعلا و هذا أيضا لا يجوز في وصف الباري تعالى فإنه لا يفعل فعلا لغرض و إذا فعل بخلاف ذلك لم يفعله لمصلحة و غرض آخر بل أقواله و أفعاله لا تعلل كما بينا قبل فلم يتصور في حقه الندم و لا أفضى النسخ إلى الندم فتعين القول بأن النسخ غير مستحيل عقلا ثم وقوعه شرعا من أدل الدليل على أنه غير مستحيل عقلا.
فنقول لا شك أن موسى عليه السلام تأخر وجودا عن آدم و نوح و هود و صالح و إبراهيم و إسماعيل و يعقوب و جماعة من الأنبياء و الأسباط عليهم السلام أهل كان جميع ما ورد به موسى مشروعا لهم أو منها ما كان مشروعا و منها ما لم يكن مشروعا فإن كان كله مشروعا لهم فلم يرد موسى بشريعة أصلا بل قرر الشرائع الماضية و إن ورد بحكم واحد غير ما ثبت في شرعهم فقد تحقق أن الحكم الأول مرفوع بذلك الحكم أو قد انتهى مدة الحكم الأول و تجدد هذا الحكم فثبت النسخ و إن أنكروا ذلك فنكاح الأخوات في زمن آدم عليه السلام حتى قيل إنه استمر ذلك الحكم إلى زمن نوح مما يجب الاعتراف به ليتحقق النسل و الذرية و توبة عبدة العجل بقتل أنفسهم كان حكما لم يكن قبل ذلك و صار مرفوعا عن غيرهم في التوراة و الختان في اليوم السابع من الولادة حكم لم يكن لنوح و غيره بل ترك الختان كان مشروعا لهم و أمر بذلك إبراهيم عليه السلام على الكبر و أطلق له أنه لا يختن إسماعيل في طفولته حتى يصير مراهقا و حظر على موسى ترك الختان فوق سبعة أيام و التمسك بالسبت ما كان واجبا على الأنبياء قبل موسى عليه السلام ثم صار واجبا على موسى فما المستحيل أن يعود إلى ما كان مباحا و كذلك الصيد في يوم السبت و جميع الأفعال الدنياوية كان مباحا قبل موسى عليه السلام فصار محظورا على موسى و المواعدة من أدل الدلائل على النسخ وَ واعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [الأعراف: ١٤٢]، و كذلك تلك التكاليف الشديدة على بني إسرائيل ما كانت واجبة على من قبلهم.
و السر في ذلك كله أن الحظر و الوجوب أحكام لا ترجع إلى الأفعال حتى تكون صفات لها و لا الأفعال كانت على صفات من الحسن و القبح و رد الشرع بتقريرها و لا قول الشارع أكسبها صفات لا تقبل الرفع و الوضع بل الأحكام راجعة إلى أقوال الشارع و توصف الأفعال بها قولا لا فعلا شرعا لا عقلا فيجوز أن يرتفع بعضها