نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٧٧
على ما ذكرناه من عقد البيعة لرجلين في صقعين أو إقليمين فإنه إذا خلع نفسه أو أحدث أحداثا يستحق بها الخلع أ ينخلع أم يستوجب ذلك كله من مظان الاجتهاد و ليراجع الكتب المصنفة في الكلام فإني لم أشترط على نفسي في هذا الكتاب نقل ما ذكر في الكلام و إنما شرطت حل المشكلات من المعقولات و بيان منتهى أقدام أهل الأصول في مراتب العقول دون المنقول.
و أما كرامات الأولياء فجائز عقلا و وارد سمعا و من أعظم كرامات اللّه تعالى على عباده تيسير أسباب الخير لهم و تعسير أسباب الشر عليهم و حيثما كان التيسير أشد و إلى الخير أقرب كانت الكرامة أوفر و ما ينقل عن بعضهم من خوارق العادات و صح النقل وجب التصديق و لا يجوز الإنكار عليه أ ليس قد ورد في القرآن قصة عرش بلقيس و قول ذلك الولي أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي [النمل: ٤٠]، أو لم تكن قصة أم موسى و مريم أم عيسى عليه السلام و ما ظهر لهما من الخوارق من إلقاء موسى في اليم كرامة لها و رزق الشتاء في الصيف و رزق الصيف في الشتاء و ظهور النخلة في الصحراء من أعظم الكرامات لمريم عليها السلام و ما ينقل عن الصالحين هذه الأمة أكثر من أن يحصى و هي بآحادها إن لم تفدنا علما بوقوعها فهي بمجموعها أفادتنا علما قطعيا و يقينا صادقا بأن خوارق العادات قد ظهرت على أيدي أصحاب الكرامات.
و اعلم أن كل كرامة تظهر على يد ولي فهي بعينها معجزة لنبي إذا كان الولي في معاملاته تابعا لذلك النبي و كل ما يظهر في حقه فهو دليل على صدق أستاذه و صاحب شريعته فلا تكون الكرامة قط قادحة في المعجزات بل هي مؤيدة لها دالة عليها راجعة عنها و عائدة إليها و قد قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «كائن في أمتي ما كان في الزمان الأول حذو القذة بالقذة و النعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» و قال عليه السلام: «إن في أمتي مثل إبراهيم الخليل و من مثله مثل موسى» و في الآية وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ [الزخرف: ٥٧]، إشارة إلى هذا المعنى و لما كانت شريعته أكمل الشرائع و دينه أكمل الأديان كما قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: ٣]، وجب أن يكون المتحلي بهذا الدين و الشريعة أشرف و أكرم ممن تحلى بشريعة أخرى إذا الشرائع و الأديان جلابيب النفوس و الأرواح و بقدر