نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٧٣
نقول هذا لو كان الوجوب الذي يتلقى من الإجماع مقصورا على من صدر منه الإجماع و ليس الأمر كذلك فإن الوجوب مستند إلى النص الخفي و الجلي من صاحب الشرع عليه السلام فهو الموجب و الإجماع مظهر الوجوب و هو طريق قطعي في معرفته لا أن قول من لم يثبت صدقه ضرورة يكون حجة.
و قولهم لو خالف كل واحد من المجتهدين إمامه في مسألة جاز قلنا نعم لأنه مجتهد كما أن الإمام مجتهد و لا يجوز لمجتهد تقليد المجتهد و هو لا يخالفه في الإجماع على إنه إمام بعد استناده إلى النص و إنما يخالفه في مسألة أخرى و هو جائز أ ليس أدى اجتهاد أبي بكر إلى قتال أهل الردة و مانعي الزكاة إليه و سبي ذراريهم و اغتنام أموالهم و أدى اجتهاد عمر رضي اللّه عنه إلى أن يرد إليهم سباياهم فردها و كم من مسألة خالفه الصحابة في مسائل الفرائض و الديات و إيجاب الرجم فرجع إلى قولهم و ترك اجتهاده و هذا لأنه لا يجب العصمة للأئمة فيجوز عليهم الخطأ و الكبائر فضلا عن الزلل في الاجتهاد.
و قولهم: إن الناس لو تناصفوا و عدلوا استغنوا عن إمام قلنا هذا جائز في العقل جواز سداد الناظرين في نظرهم قبل ورود الشرع و لكن العادة الجارية و السنة المطردة أن الناس بأنفسهم لا يستقرون على مناهج العدل و الشرع إلا بحامل يحملهم على ذلك بالتخويف و التشديد و لا يتأتى ذلك إلا بسياسة الإمام و التخويف بالسيف و التشديد على الظالم.
و أما الجواب عن قول الشيعة إما أن تلقي الواجبات من العقل فقد فرغنا منه و إما مستند الوجوب في نصب الإمام هو الإجماع الدال على النص الوارد في الشرع.
و قولهم: إن اللّه تبارك و تعالى أمرنا بطاعة أولي الأمر و متابعة الصادقين قلنا هذا مسلم في وجوب طاعة الإمام على الإطلاق لكن الكلام إنما وقع في التعيين أ هو متعين بتعيين الشارع نصا أم يتعين بتعيين أهل الإجماع و الأول لم يثبت إذ لو ثبت لنقل و لما تصور سكوت القوام أو سكوت واحد من القوم في موضع اختلاف الناس في تعيين الإمام أ ليس لما كان عند أبي بكر رضي اللّه عنه نص في تخصيص قريش بالإمامة روي ذلك في حال دعوى الأنصار فسكتوا عن الدعوى و صارت الإمام مخصوصة بقريش نصا كذلك لو كان عند أحد نص في تخصيص بني هاشم لنقل ذلك حتى يرتفع النزاع فإن منازعة الأنصار قريشا كمنازعة قريش بني هاشم و منازعة بني هاشم عليا.
و من العجب أن خبر التخصيص بقريش لم يكن متواترا إذ لو تواتر لما ادعت الأنصار شركة في الأمر و هم قد انقادوا لخبر الآحاد فكيف يظن بهم أنهم لا ينقادون للخبر المتواتر.