نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٦٨
أخشن فبايعته و بايعه الناس القصة المشهورة و لما قرب وفاة أبي بكر رضي اللّه عنه فقال تشاوروا في هذا الأمر ثم وصف عمر بصفاته و عهد إليه و استقر الأمر عليه و ما دار في قلبه و لا في قلب أحد أن يجوز خلو الأرض عن إمام و لما قربت وفاة عمر رضي اللّه عنه جعل الأمر شورى بين ستة و كان الاتفاق على عثمان رضي اللّه عنه و بعد ذلك كان الاتفاق على علي رضي اللّه عنه فدل ذلك كله على أن الصحابة رضوان اللّه عليهم و هم الصدر الأول كانوا على بكرة أبيهم متفقين على أنه لا بدّ من إمام و يدل على ذلك إجماعهم على التوقف في الأحكام عند موت الإمام إلى أن يقوم إمام آخر و من ذلك الزمان إلى زماننا كان الإمامة على المنهاج الأول عصرا بعد عصر من إمام إلى إمام إما بإجماع من الأمة أو بعهد و وصية و إما بهما جميعا، فذلك الإجماع على هذا الوجه دليل قاطع على وجوب الإمامة هذا كلامنا في وجوب الإمامة على الإطلاق.
أما القول في تعيين الإمام هل هو ثابت بالنص أم بالإجماع فالقائلون اختلفوا في أن النص ورد على شخص بعينه أم ورد بذكر صفته فالقائلون بالإجماع اختلفوا في أن إجماع الأمة عن بكرة أبيهم شرط في ثبوت الإمامة أم يكتفي بجماعة من أهل الحل و العقد و قد ذكرت مذاهبهم في الكتب.
قال أهل السنة القائلون الإجماع الدليل على عدم النص على إمام بعينه هو أنه لو ورد نص على إمام بعينه لكانت الأمة بأسرهم مكلفين بطاعته و لا سبيل لهم إلى العلم بعينه بأدلة العقول و الخبر لو كان متواترا لكان كل مكلف يجد من نفسه العلم بوجوب الطاعة له و إلا لزمه دينا كما لزمه الصلوات الخمس دينا و لما جازوا إلى غيره بيعة و إجماع.
و من المحال من حيث العادة أن يسمع الجم الغفير كلاما من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ثم لا ينقلونه في مظنة الحاجة و عصيان الأمة بمخالفته و الدواعي بالضرورة تتوفر على النقل خصوصا و هم في نأنأة الإسلام و طراوة الدين و صفوة القلوب و خلوص العقائد عن الضغائن و الأحقاد و التآلف المذكور في الكتاب العزيز فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً [آل عمران: ١٠٣]، و إذا كانت الدواعي على النقل موجودة و الصوارف عنه مفقودة و لم ينقل دل على أنه لم يكن في الباب نص أصلا و أيضا لو عين شخصا لكان يجب على ذلك الشخص المعين أن يتحدى بالإمامة و يخاصم عليها و يخوض فيها حتى إذا دفع عن حقه سكت و لزم بيته فيظهر الظالم عليه و لم ينقل أن أحدا تصدى للإمامة و ادعاها نصا عليه و تسليما إليه.
قالت النجدات من الخوارج و جماعة من القدرية مثل أبي بكر الأصم و هشام