نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٦٥
الكفار حتى قالت يسلب اسم الإيمان عمن ترك طاعة واحدة و كلا المذهبين مردود.
أما الأول فيرفع معظم التكاليف من الأوامر و النواهي و يفتح باب الإباحة و يفضي إلى الهرج و إذ ورد في الشرع بذلك كله و ربط بكل حركة من حركات الإنسان حكما بحكم أنه إن لم تضره المعاصي لم تنفعه الطاعات و أنه إن لم يكن مؤاخذا بترك ما أمر به لم يكن مثابا بامتثال ما أمر.
و أما المذهب الثاني فيرفع معظم الآيات من الكتاب و الأخبار و السنة و تغلق باب الرحمة و يفضي إلى اليأس و القنوط و إذ ورد في الكتاب في كم آية إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ [البقرة: ٢٧٧]، ففرق بين لفظ الإيمان و العمل و اعلم أن الإيمان له حقيقة و العمل له حقيقة غير الإيمان و خاطب في كم آية الفاسقين بخطاب المؤمنين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: ١٠٤]، لا تفعلوا كذا، علم بذلك قطعا أن الإيمان لو كان هو العمل بعينه أو كان العمل ركنا مقيما بحقيقة الإيمان لما ميز بهذا التمييز و أيضا فيلزم الوعيدية أن لا يوجد مؤمن في العالم إلا نبي معصوم إذ لا عصمة لغير الأنبياء و يلزم أن لا يطلق اسم الإيمان على أحد حتى يستوفي جميع خصال الخير عملا و فعلا فيكون اسم الإيمان موقوفا على العمل في المستأنف فهؤلاء مرجئة الإيمان عن العمل و أولئك مرجئة العمل عن الإيمان فعلم قطعا أن العمل غير داخل في الإيمان ركنا مقوما له حتى يقال بعدمه يكفر و يخرج عن الإيمان في الحال و يعذب و يخلد في النار في ثاني الحال و غير خارج عن الإيمان تكليفا لازما له حتى يقال بعدمه لا يستحق لوما و زجرا في الحال و لا استوجب عقابا و جزاء في المآل و القول بأن المعاصي تحبط الطاعات ليس بأولى من القول بأن الطاعات ترفع المعاصي و من قال صاحب الكبيرة يخلد في النار بشرط تخفيف العذاب عليه بسبب تصديقه قولا و عقدا و طاعته المحبطة يعارضه قول المرجئ تخليد في الجنة بشرط حطه على درجة المطيعين بسبب إيمانه و سائر طاعاته و الطاعات لو أحبطت كيف أثرت في التخفيف و التخفيف كيف يتصور مع التخليد و التخليد كيف يجوز في العدل على علم مقدر بوقت بل و تخليد الكافر في النار متى كان عدلا عقليا و هو لم يكفر إلا مائة سنة فهلا تقدر التعذيب بمائة سنة أ فمن غصب مائة دينار و أخذ منه مائتي دينار كان عدلا قال هو على اعتقاد أنه لو بقي أبد الدهر بقي على الكفر قيل و اعتقاد إنه يعمل غير اعتقاد أن عمل أ ليس من غصب مائة دينار على اعتقاد أن لو ظفر لم يؤاخذ بالألف كذلك فيما نحن فيه فالعدل المعقول إذا ما ورد الشرع به و الحكم المشروع ما دل