نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٦٤
أرسله بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة: ٣٣]، فإذا أتى بذلك لم ينكر شيئا مما جاء به و أنزل به فهو مؤمن فإن وافاه الموت على ذلك كان مؤمنا عند اللّه و عند الخلق و إن طرأ عليه ما يضاد إيمانه ذلك و العياذ باللّه حكم عليه بالكفر عند ذلك و إن اعتقد مذهبا يلزمه من حكم مذهبه مضادة ركن من هذه الأركان لم يحكم بكفره مطلقا بل ينسب إلى الضلالة و البدعة و يكون حكمه في الآخرة موكولا إلى اللّه تعالى تخليدا في النار أو تأقيتا.
و الدليل على ما ذكرناه أنا بالتواتر المفضي إلى اليقين علمنا أن النبي صلى اللّه عليه و سلم لما أظهر الدعوة دعا الناس إلى كلمتي الشهادة لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه و نعلم قطعا أنه لم يرض منهم في هذه الشهادة بمجرد القول مع إضمار خلافه في القلب إذ قرر لهذا المعنى قوما سماهم منافقين و سماهم الكتاب بذلك مع نفي الإيمان عنهم كما قال تعالى: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٨]، و نسبهم إلى الكذب و سماهم كاذبين في غير آي من الكتاب وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ [المنافقون: ١] و الكرامي يشهد أن المنافقين لصادقون فقد علم من ذلك قطعا أن التصديق بالقلب ركن و هو الركن الأعظم إذ الإقرار باللسان يعبر عنه و نعلم قطعا أن النبي عليه السلام كما لم يرض منهم بمجرد القول ما لم يقترن به عقد لم يكلف جميع الخلق معرفة اللّه تعالى كما هو لأن ذلك غير مقدور للخلق و أقرب دليل على ذلك أنه تعالى يعلم جميع معلوماته على التفصيل و يعلم أنه يخلق جميع مخلوقاته على التفصيل و يعلم جميع مراداته من الخلق و للخلق و ليس يعلم العبد ذلك و لا يقدر أن يعلم و لم يكلف إلا أن يعرف أنه لا إله إلا اللّه و تكون معرفته مستندة إلى دليل جلي كما ورد به التنزيل و إلا فتكليف ذلك شطط لا يستطاع فثبت القول و العقد مصدرا و مظهرا و قد يكتفي بالمصدر في القلب إذا لم يقتدر على الإتيان بالإقرار باللسان لكن في حكم اللّه تعالى الإشارة في حق الآخرين تنزل منزلة العبارة في حق الناطق و قصة الخرساء «أعتقها فإنها مؤمنة» دليل على صحة ما ذكرناه في أصل الإيمان و قدره بقي كون العمل ركنا أو واجبا تابعا.
فتقول المرجئة بإرجاء العمل كله عن القول و العقد حتى قالت لم يضر العبد إن لم يأت بطاعة واحدة.
و تقول الوعيدية بكونه ركنا من الأركان إن العبد تخلده الكبيرة في النار مع