نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٦
وجود ممكن فقد وجد هاهنا سبقان أحدهما سبق وجود الموجود و الثاني سبق إمكان الوجود و لكننا بعد ما بحثنا عن السبق الثاني لم نعثر على معنى إلا أن الوجود المستفاد لن يتحقق إلا بأن يكون ممكنا في ذاته مقدرا فيه تردد بين طرفي الوجود و العدم و احتاج إلى مرجّح لولاه لما حصل له وجود فلو كان كل حادث محتاجا إلى سبق إمكان و كل إمكان محتاجا إلى مادة و كل مادة إلى زمان تسلسل القول فيه فيقال و تلك المادة و الزمان يحتاجان إلى مادة و زمان و لما حصل وجود حادث أصلا فبطل الأصل الذي وضعوا الكلام عليه بل لا بدّ من منتهى ينتهي إليه فيكون مبدعا لا من شيء و يكون ممكنا في ذاته و لا يستدعي إمكانه مادة و زمانا فهكذا يجب أن يتصور معنى سبق الإمكان و سبق العدم و سبق الموجد فإن الموجد يسبق بوجوده من حيث وجوده و يلزم ذلك أن يسبق العدم و الإمكان في الموجد سبقا تقديريا و قد تقرر الفرق بين التقدم الذاتي و التقدم الوجودي فتأمل ذلك.
شبهة أخرى: اعتمد عليها أبو علي بن سينا قال: أسلّم أن العالم بما فيه من الجواهر و الأعراض جائز الوجود لذاته لكن كلامنا في أنه هل هو واجب الوجود بغيره دائم الوجود بدوامه، قال: و الجائز أن لا يوجد و أن يوجد و إذا تخصص بالوجود احتاج إلى مرجح لجانب الوجود، و الحال لا يخلو إما أن يقال ما يجوز أن يوجد عن المرجح يجب أن يوجد حتى لا يتراخى عنه و إما أن يقال لا يجب أن يوجد حتى يتراخى عنه ثم يوجد بعد أن لم يوجد لكن العقل الصريح الذي لم يكذب يقضي أن الذات الواحدة إذا كانت من جميع جهاتها واحدة و هي كما كانت و كان لا يوجد عنها شيء فيما قبل مع جواز أن يوجد و هي الآن كذلك فالآن لا يوجد عنها شيء و إذا كان قد وجد فقد حدث أمر لا محالة عن قصد و إرادة و طبع و قدرة أو تمكن و غرض أو سبب من الأسباب ثم لا يخلو ذلك السبب إما أن يحدث في ذاته صفة أو يحدث أمرا مباينا عنه و الكلام في ذلك الحادث على أي وجه كان كالكلام في العالم فإذا لا يجوز أن يحدث أمر ما و إذا لم يجز فلا فرق بين حال أن يفعل و بين حال أن لا يفعل و قد وجد الفعل فهو خلف و إنما ألزمنا هذا لأنا وضعنا في التقدير العقلي ذاتا معطلة عن الفعل و هو باطل فنقيضه حق.
و الجواب قلنا: أنتم مطالبون بإثبات ثلاث مقدمات إحداها: إثبات جواز وجود العالم في الأزل، و الثانية إثبات أن ما يجوز وجوده يجب وجوده، و الثالثة إثبات سبب حادث لأمر حادث.
أما الأولى فنحن قد بينا استحالة وجود أمر جائز في ذاته مع وجود موجود