نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٥٩
نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَ أَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ [النحل: ٨٣]، و الأنبياء خيرة اللّه في خلقه و حجة اللّه على عباده و الوسائل إليه و أبواب رحمته و أسباب نعمته اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَ مِنَ النَّاسِ [الحج: ٧٥]، إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً [آل عمران: ٣٣] الآية، فكما يصطفيهم من الخلق قولا بالرسالة و النبوة يصطفيهم من الخلق فعلا بكمال الفطرة و نقاء الجوهر و صفاء العنصر و طيب الأخلاق و كرم الأعراق فيرقيهم مرتبة مرتبة حتى إذا بلغ أشده و بلغ أربعين سنة و كملت قوته النفسانية و تهيأت لقبول الأسرار الإلهية بعث إليهم ملكا و أنزل عليهم كتابا و لا تظن أن الملك يتجسد شخصا بمعنى أن يتكاثف بعد ما كان جسما لطيفا تكاثف الهواء اللطيف غيما كما ظنه قوم و لا أنه تعدم حقيقته و يوجد شخص آخر و لا أنه تنقلب حقيقته إلى حقيقة أخرى فإن كل ذلك محال بل الجواهر النورانية خصت بقوة الظهور بأي شخص أرادوا كما قال تعالى: فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا [مريم: ١٧]، و كما قال وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا [الأنعام: ٩]، و لا نجد له مثالا في هذا العالم إلا تمثل تعلق أرواحنا بأجسادنا غير أن التمثل يستدعي شخصا كاملا في الحال و التعلق يستدعي شخصا يتكون مرتبة فمرتبة سلالة و نطفة و علقة و مما نذكره مثالا تمثل المعنى الذي في الذهن بالعبارات التي في اللسان و بالكتابة التي في اللوح غير أن اللفظ دليل على المعنى و كل دليل مظهر المعنى من وجه و كل مظهر دال على المعنى من وجه من غير حلول الأعراض في الجواهر و لا نزول الأجسام على الأجسام و إن تخطيت منه إلى ظهور صورة الشخص في المرآة الصقيلة و وقع الظل على الماء الصافي قارنت المعنى مثالا و إدراكا.
أ لستم تقولون معاشر الصابئة المحيلين نزول الروحاني على الجسماني إن كل روحاني له هيكل يظهر به و يتصرف فيه و يستوي عليه و كل هيكل في العالم العلوي له شخص في العالم السفلي يظهر به و يتصرف فيه و يستوي عليه غير إنكم اتخذتم بصنعتكم أصناما آلهة و هي مظاهر تلك الهياكل التي هي مظاهر تلك الروحانيات.
و نحن معاشر الحنفاء أثبتنا أشخاصا ربانية مفطورة بوضع الخلقة على اصطفاء من الجواهر و اجتباء من العنصر مناسبة لتلك الجواهر الروحانية مناسبة النور للنور و الظل للظل و للنبي عليه السلام طرفان بشرية و رسالية قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ