نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٥٧
يَعْلَمْ [العلق: ٣- ٥]، فالحكمة في اقرأ و اقرأ أولا و ثانيا و ربك الأكرم أبلغ لفظا و معنى من اقرأ باسم ربك ثم عمم التعلم ثم خصص الإنسان كما عمم الخلق ثم خصص الإنسان و كيف اجتمعت الفصاحة في ألفاظ بأسفار وجوه المعاني و كيف اقترنت بهذه الجزالة على قلة حروفها و خفة كلماتها من غير إخلال في الدلالة و كيف انتظمت بأشرف تركيب من حيث اللفظ و أوضح ترتيب من حيث المعنى و كيف لاحت فيها البلاغة برطوبة الألفاظ و متانة المعاني حتى كأنها جمعت علم الأولين و الآخرين من تقرير العموم و الخصوص و تقدم الأمر على الخلق و إضافة الهداية و الخلق إليه تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [الأعراف: ٥٤]، فتبين من هذه القرائن أن القرآن بجملته معجز و ذلك في حق من لا يعرف دقائق البلاغة و حقائق المعاني و بعشر سور منه معجز في حق قوم و بسورة واحدة معجز في حق قوم و بآية واحدة معجز في حق قوم و تتقدر مقادير الإعجاز على قدر الدراية و التحقيق.
و من العجب أن المعتزلة قالوا بوجوب النظر قبل ورود الشرع و بنوا ذلك على أن العاقل المفكر لا يخلو عن خاطرين يطريان على قلبه أحدهما يدعوه إلى النظر حتى يعرف الصانع فيشكر فيثاب على شكره و الثاني يمنعه عن ذلك فيختار بعقله أحق الطريقين بالأمن و يرفض أحقهما بالخوف فيقال لهم إذا تحدى النبي بالرسالة و أخبر أنه رسول اللّه كان خبره محتملا للصدق و الكذب فهلا طرأ الخاطران في تصديقه و تكذيبه ثم يحصل الخبر بالصدق أولى فإن فيه الأمن إذ لو كان صادقا فكذبه خسر و لو كان كاذبا فصدقه لم يخسر فإنه إن يكن كاذبا فعليه كذبه و في طلب المعجزة منه خطر آخر و هو جعل الخبر أولى بالكذب فكأنه يكذبه في الحال إلى أن تظهر المعجزة فيصدقه في ثاني الحال و عند المعتزلة القرآن من جنس كلام العرب فإنهم يقدرون على مثله قدرتهم على كلامهم فلم يستمر لهم التمسك بإعجاز القرآن.
قال أهل الزيغ: إذا قال النبي إني رسول اللّه إليكم و إنه أنزل علي كتابا أقرأه عليكم فما المعني بالرسالة عن اللّه تعالى و ما معنى قوله إني نبي اللّه أ فترجع الرسالة و النبوة إلى صفة قائمة بذاته بها يستحق أن يخاطب الناس بالأوامر و النواهي عن اللّه تعالى أم ترجع إلى إخبار اللّه تعالى إنه رسولي فإن كان الأول فما حقيقة تلك الصفة و إن كان الثاني فكيف يتصور أن يكلم اللّه بشرا فإن الذي يسمعه البشر من الكلام حروف و أصوات و عندكم كلامه ليس بحرف و لا صوت و إن كان وحيا من اللّه تعالى فما معنى الوحي و كيف يتصور أن ينزل ملك على صورة البشر فإن كان الملك