نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٥٥
الحركة و ذلك أن المور حركة لطيفة لجسم لطيف و ذلك كالشعاع يذهب شعاعا بخلاف السير فكان المور المضاف إلى السماء و السير المضاف إلى الجبال مفصحا عن متن الغرض مبينا عن المعنى اللائق به و كان أفصح من تحركت السماء و سارت و جاءت و ذهبت ثم هو مع فصاحته لفظ جزل لأنه متلاقي التركيب متقارب المخارج سهل التلفظ به مطابق المعنى و ذلك هو معنى الجزالة و قد توجد الجزالة و الفصاحة في لفظ واحد و قد توجد في ألفاظ كثيرة و جمل من الكلام غير يسيرة و لا بدّ من نظير تلك الكلمات.
فالنظم يطلق على مطلق التركيب و الترتيب لكنه ينقسم اقساما فقد يقع ركيكا و قد يقع رقيعا ما دونها درجة ما تتحقق في المحاورة المعتادة و فوقها ما تتحقق في المكاتبة و المراسلة و فوقها درجة ما تذكر في الخطابة و المواعظ و فوقها درجة ما ينتظم به الشعر و ليس فوقها درجة للنظم عند العرب فهو على أقسام لا تنضبط و لذلك سمي الشعر نظما و ما سواه نثرا ثم إذا اجتمعت الفصاحة و الجزالة و النظم أطلق عليها اسم البلاغة من بلوغ الكلام درجة الكمال هذا قولنا على سبيل المباحثة و البسط.
أما قولنا على سبيل التحديد و الضبط فنقول الفصاحة عبارة عن دلالة اللفظ على المعنى بشرط إيضاح وجه المعنى و إيضاح الغرض فيه و الجزالة عبارة عن دلالة اللفظ على المعنى بشرط قلة الحروف و اختصارها و تناسب مخارجها و ربما يجتمع المعنيان فيكون اللفظ فصيحا جزلا معا فتجتمع معان كثيرة في ألفاظ يسيرة كما يقال نفل الحر و نصيب المفضل و مثاله في القرآن وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [البقرة:
١٧٩]، و ربما يتباينان.
و النظم ترتيب الأقوال بعضها على بعض ثم الحسن فيه يتقدر بقدر تناسب الكلمات في أوزانها و تقاربها في الدلالة على المعنى و ذلك أنواع و أصناف.
و البلاغة عبارة عن اجتماع المعاني الثلاثة أعني الفصاحة و الجزالة و النظم بشرط أن يكون المعنى مبينا صحيحا حسنا و من المعلوم أن القرآن فاق كلام العرب بمحاورتها و مراسلاتها و خطبها و أشعارها فصاحة و جزالة و نظما بحيث عجزت عن معارضتها عجز من لم يقدر عليها أولا و آخرا لا عجز من قدر في الأول و عجز في الآخر و إلا لكانوا يعارضونه بما تمهد عندهم من الكلام الأول فالقرآن معجز من حيث البلاغة التي هي عبارة عن مجموع المعاني الثلاثة و العرب قد أحست من أنفسها أن القرآن خارج عن جنس كلامهم جملة و كذلك كل من كان له أدنى معرفة بالعربية يعرف إعجازه إلا أن البلغاء يعرفون وجوه الإعجاز فيه على قدر مراتبهم في البلاغة