نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٥٤
و النفس بذلك الشعر و تمكن منه ثم عبر بلسانه عنه فيكون المسموع و المحفوظ من حيث إنه سمعه و حفظه مقدورا له لكن النظم المرتب في المحفوظ و المسموع غير مقدور له و هو كما لو ألقى من لا يعرف الكتابة أصلا لوحا منقورا فيه سور منظومة على تراب ناعم حتى انتقش بها نقشا مطابقا كان الإلقاء مقدورا له و النقش غير مقدور له إذ ليس يعرف الكتابة أصلا فالارتسام في النفس و الخيال كالانتقاش في التراب سواء فيبقى نظم الشعر نقشا بعد نقش زمانا بعد زمان أبد الدهر و كذلك ارتسام قلب النبي من إلقاء القرآن إليه وحيا و تنزيلا كانتقاش التراب الناعم بالنقش المنقور في اللوح فيكون المرتسم قلبه و المعبر عنه لسانه و الرسم غير مقدور له بل تمحض ذلك ابتداعا من اللّه تعالى فهذا هو طريق وجوده معجزا.
و على طريقة أخرى ظهور كلام الباري تعالى بالعبارات و الحروف و الأصوات و إن كان في نفسه واحدا أزليا كظهور جبريل بالأشخاص و الأجسام و الأعراض و إن كان في نفسه ذا حقيقة أخرى متقدما على الشخص فإنه لا يقال انقلبت حقيقته إلى حقيقة الجسمية في شخص معين لأن قلب الأشخاص محال و إن قيل انعدمت حقيقة و وجدت حقيقة أخرى فالثاني ليس بجبريل فلا وجه إلا أن يقال ظهر به ظهور المعنى بالعبارات أو ظهور روح ما بشخص ما فكما صارت العبارات شخص المعنى كذلك صارت صورة الأعرابي شخص الملك و قد عبر القرآن عن مثل هذا المعنى وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا [الأنعام: ٩]، فكذلك يجب أن تفهم عبارات القرآن.
و الجواب عن السؤال الثاني فنحقق أولا حقائق الفصاحة و الجزالة و النظم و البلاغة و نميز بين كل واحد منها ثم نبين أن الإعجاز في كل واحد أو في المجموع فنقول أولا قولا على سبيل المباحثة و البسط ليتضح الغرض و المعنى به ثم نقول قولا ثانيا على سبيل التحديد و الضبط المنحصر الغرض و المعنى فيه اللفظ قد يكون دالا على المعنى دلالة مطلقة إما وضعا و إما مجازا و قد يكون دالا على المعنى بشرط أن يكون مفصحا عن كنه حقيقته معبرا عن غرض المتكلم و إرادته و القسم الأول مثل قولنا تحرك الجسم فإنه يطلق على حركة الجمادات و النبات و الحيوان و الإنسان و السماء و الأرض و كل ما هو قابل للحركة ثم إذا وضع اللفظ لموضوع خاص عبر عن تلك الحركة بعبارة أخص كما ورد في القرآن يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً ٩ وَ تَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً [الطور: ٩، ١٠]، فإن المور أخص دلالة من السير و هما أخص من