نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٥٣
معجز من حيث الفصاحة فقط جوز أن يكون في كلام العرب مثله من حيث النظم و الجزالة و من قال بالثاني فقد جوز المماثلة في الأول فلم يظهر ظهور انقلاب الجماد حيوانا و البحر يبسا و الحجر الصلد عينا نضاخة إلى غير ذلك من معجزات الأنبياء عليهم السلام إذ ظهرت على قضية لم يبق للتردد فيها مجال.
قال أهل الحق: أما السؤال الأول فنقول القديم يستحيل أن يكون معجزة و المكتسب للعبد كذلك و للقرآن وجوه من المعجزات و لكل وجه وجوه من التقديرات فيجوز أن يقال إن التلاوة من حيث إنها تلاوة معجزة و تقدير الإعجاز فيها من وجهين أحدهما أن يخلق اللّه تعالى هذه الحروف المركبة و تلك الكلمات المنظومة في لسان التالي من غير أن يكون قادرا عليها و محركا لسانه بقدرته و استطاعته فتمحض فعلا للّه تعالى و يظهر إعجازه في نظمه المخصوص و يجوز أن يخلق اللّه في نفس النبي كلاما منظوما فيترجم عنه بلسانه و يكون تحريك اللسان مقدورا له لكن الكلام المعجز ما اشتمل عليه الضمير و نعت في الصدور كما قال تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ١٦ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ [القيامة: ١٦، ١٧]، أي في صدرك و قلبك فإذا قرأناه أي جمعناه فاتبع قرآنه و يجوز أن يخلق اللّه ذلك الكلام في قلب الملك أو في لسانه فيلقيه وحيا إلى قلب النبي و يعبر عنه النبي بلسانه كما قال تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة: ٤٠]، أي تنزيلا و وحيا و كما قال:
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى [النجم: ٥]، و يجوز أن يكون قد خلق هذه العبارات المنظومة بعينها في اللوح المحفوظ فيقرأ جبريل عليه السلام منه و يقرأها على النبي صلى اللّه عليه و سلم فيسمع النبي منه كما لو يسمع الواحد منا و يكون المعجز هو الكلام المنظوم و جبريل مظهر و النبي مظهر كما أن واحدا منا يقرأه و يكون مظهرا لكن إظهار جبريل إظهارنا ليدل على صدق النبي عليه السلام و هذا كما خلق اللّه تعالى الناقة في الصخرة ثم أظهرها منها عند دعوة صالح عليه السلام فيكون إظهار المعجزة مقرونا بالدعوى و التحدي لا إظهار المعجز كخلق المعجز في الدلالة على الصدق و ينبغي أن ننبه هاهنا على هذه الدقيقة و هي أنا إذا روينا شعر الشاعر فنحس من أنفسنا قدرة على التلفظ بذلك الشعر و لا نحس من أنفسنا قدرة على نظم ذلك بل ربما يكون الراوي عديم الطبع في إنشاء الشعر فضلا عن نظم مخصوص فما المقدور منه و ما غير المقدور فنقول إذا قرأنا شعرا من كتاب أو سمعناه من لسان و حفظناه ارتسم الخيال في القلب