نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٥١
و بان خزيهم أنذرهم صاحب التنزيل و حذرهم المتحدي بالدليل فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [البقرة: ٢٤]، و كيف لا يكون التعجيز ظاهر ظهور الشمس و الكتاب يقرأ عليهم قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ [الإسراء: ٨٨]، الآية أ فلم يكن بليغ من بلغاء العرب و فصيح من فصائحهم يتصدى لمعارضة هذه الدعوى العريضة الواسعة لنوعي الجن و الإنس و قد خيروا بين معارضة القرآن و الخروج بالسيف و السنان فكيف اختاروا الأشد على الأضعف و آثروا ما فيه بذل المهج و النفوس و استحلال النساء و استرقاق الأولاد و استباحة الأموال على أهون الأمور و أيسر ما في المقدور و هو معارضة سورة واحدة أ فلا يكون ذلك عجزا ظاهرا و نكولا واضحا و إن استراب في ذلك مستريب تشكيكا لنفسه في مظان القطع و اليقين و تسبيعا للغزالة بالطين فالنقد حاضر لم يبدل و لسان القرآن على رأس التحدي كما ورد في الخبر «القرآن حي يجري كما يجري الليل و النهار» و لسان المعارض عي عن المعارضة من مدة خمس مائة سنة و زيادة و بلغاء العرب قد اجتمعت لهم متانة الشعر في العصر الأول و لطافة الطبع من العصر الأخير أو لم يفدنا عجز الأولين و الآخرين دلالة ظاهرة على أن مضمون القرآن حق و أن قول من أتى به صدق كيف و لو اعتبرت سورة بسورة اعتبار متأمل فيها منصف صادف كل سورة على حيالها اشتملت على صنف من الفصاحة و ضرب من البلاغة و الجزالة و لم تشاركها في ذلك سورة أخرى و ربما تكون القصة واحدة و التعبير عنها مختلف اختلافا لا يخل بالمعاني و يكون أسلوب النظم و البلاغة نوعا آخر يباين الأولى و اختبر هذا المعنى في قصة مثناة و بالخصوص في قصة موسى عليه السلام في سورة المص و قصته في سورة طه فمن ذا الذي يقدر على مثل ذلك من البشر و كيف يصل إلى غايته القوة المنطقية الإنسانية و لهذا لما فطنت البلغاء من العرب لبديع النظم و الجزالة فيه قالوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ [المدثر: ٢٤] هذا من حيث اللفظ.
و أما من حيث المعنى فما اشتمل عليه القرآن من غرائب الحكم و بدائع المعاني التي عجزت الحكماء و الأوائل عن الإتيان بمثلها نوع آخر من الإعجاز خصوصا ممن نشأ يتيما بين الأميين من العرب و لم يقرأ كتابا و لم يدرس علما و لا تلقف من أستاذ و لا تعلم من معلم فلو لا أنه وحي محض و يوحى عليه و تنزيل نزل إليه و إلا فمن أين