نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٤٢
ذلك من قبلهم وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ٢١]، كما قرر احتياجهم إلى الخالق في وجودهم قرر احتياجهم إلى رازق في بقائهم الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَ السَّماءَ بِناءً [البقرة: ٢٢]، الآية ثم قرر بعد ذلك نبوته وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:
٢٣]، الآية بمعناها دالة على التوحيد و بظاهر لفظها البليغ و نظمها الأنيق دالة على صدق دعواه و تحديه و لربما يبتدئ بدعوى الرسالة ثم يضمنها حقائق التوحيد يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَ يُمِيتُ [الأعراف: ١٥٨]، الآية حتى كانت الآية بعذوبة ألفاظها و رطوبة عباراتها الخارجة عن نظم الشعراء و نثر الفصحاء الخارقة لعاداتهم الجارية و عباراتهم الفائقة أوضح دلالة على رسالته و صدق لهجته و كانت معانيها الحقيقية و حقائقها المعنوية دالة على التوحيد و اقترنت الدلالتان اقترانا لا يمكن للمستمع الاستمهال و ليس ذلك أمرا بالتقليد، فإن التقليد قبول قول الغير من غير حجة، و فيها تقرر حجتان مفحمتان، و إنما لم يلزم تكليف ما لا يطاق إذا لم يكن المستمع متمكنا من الاستماع و النظر و التدبر في كل ما يستمعه و يعقله حتى لو أنكره ظهر عناده و بطل استرشاده، هذا هو طريق الدعوة النبوية و الحجة العقلية لا كما زعمت المعتزلة أن المستمع إذا استمهل وجب على النبي إمهاله فيلزمهم أن لا تثبت لنبي ما رسالة و لا يستمر لرسول ما دعوة فإن كل عاقل إذا استمهل و أمهل تعطلت النبوة في الحال و صار منتظرا مدة الإمهال حتى يعود إليه الدعوة و إن يلزم العود إليه و بعد لم تثبت عنده نبوته بل يعود جبريل عليه السلام و يقول: قُمْ فَأَنْذِرْ [المدثر: ٢]، فيقوم إلى المستجيب فيقول أنت أمهلتني و أنا بعد في مهلة النظر و النظر طريق المعرفة فتريد تصدني عن الطريق فأنت قبل معرفتي من أنت؟ مضل ضال قاطع للطريق فيتخاصمان و يقتتلان و يئول الإلزام إلى النبي قولا و فعلا فيلزم المعتزلة القول بأن أول واجب على العاقل قتال النبي عليه السلام و قتله و هذا مما لا محيص لهم عنه.
و أما الجواب عن ردهم الخوارق إلى الخواص و التنجيم و علم السحر و الطلسمات قلنا: لا ينكر العاقل حصول العجائب من الخواص و العزائم لكن أمثال هذه الغرائب ليست تخلو قط عن حيل كسبية تنضاف إليها من مباشرة فعل و جمع الشيء إلى شيء و اختيار وقت و تعزيم قول و إعداد آلة و استعداد مادة، و بالجملة من