نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٣٨
معجزة للناس كما صارت حركات الناس معجزة لمن دونهم من الحيوانات، و يكون مستتبعا جميع نوع الإنسان، كما صار الإنسان مستسخرا جميع أنواع الحيوان اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَ مِنَ النَّاسِ [الحج: ٧٥]، رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:
١٦٥]، و نعيد ما أبديناه آنفا.
فنقول: أنتم معاشر الصابئة و البراهمة المعولون على مجرد العقول و قضاياها وافقتمونا و لم يحتج بالموافقة بل قام الدليل الواضح على أن للّه تعالى تصرفا في عباده بالتكليف و الأمر على حركاتهم بالأحكام و الحدود، و من القضايا العقلية أن نوع الإنسان يحتاج إلى اجتماع على نظام و صلاح و أن ذلك الاجتماع لن يتحقق إلا بتعاون و تمانع و أن ذلك التعاون و التمانع لن يتصور إلا بحدود و أحكام، و أن تلك الحدود و الأحكام تجب أن تكون موافقة لحدود اللّه و أحكامه، و أن كل من دب و درج ليس يتلقى من اللّه حدوده و أحكامه و لا له أن يضع من عند نفسه حدودا و أحكاما فلزم العقل ضرورة أن يكون بين الناس شرع يفرضه شارع يتلقى من اللّه وحيا و ينزله تنزيلا على عباده و هذه قضايا عقلية بيننا و بينكم، و إنما حقيقة القول آئل إلى تعيين الشارع.
فنقول: لن يتحتم على اللّه تعالى تعريف صدق من اصطفاه لرسالته و تعيين شخص من اجتباه لشريعته فإنه يؤدي إلى التعجيز و إلى تكليف ما لا يطاق، و هو كما لو كلف عباده بمعرفته، ثم يطمس عليهم وجوه أدلته و إذ لا طريق إلى التصديق إلا بالقول و الفعل و لا طريق إلى ذلك بالقول تعين الفعل و لربما يعرف الملائكة بالقول و يعرف الناس بالفعل و لربما يعرف النوعين بهما جميعا أعني تعريفهما بفعل نازل منزلة القول أو بقول دال دلالة الفعل و ليس ذلك تعريف إيجابا عليه تعالى و تقدس بل وجوبا له حتى لا يؤدي إلى التعجيز في نصب الأدلة، و حتى لا يفضي إلى التكذيب في خبر الاستخلاف و حتى لا يكون على اللّه حجة بعد الرسل بتكليف ما لا يطاق فيقال:
رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا [طه: ١٣٤]، و إذا أرسلت فهلا بينت لنا طريقا و دليلا يتوصل به إلى صدقه و يتوصل بتصديقه إلى معرفتك و طاعتك.
و قولكم: إن الرسول يحيل نزول الآية إلى مشيئة اللّه تعالى قلنا تلك الحوالة من أدل الأدلة على صدق المقالة إذ لو ادعى الاستقلال بإظهار الآيات ما كان مخبرا عن اللّه تعالى بأمره و لا داعيا إلى اللّه بإذنه فهو في كل حال من الأحوال يثبت حق موكله و يظهر العجز من نفسه و يحيل الحول و القوة إلى مرسله و كان الفصل الذاتي لنفس النبي