نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٣٦
الجمع أن الأمر على ما يجري به المدعي فكذلك في صورة مسألتنا هذه، فإذا المرجح للصدق هي القرائن الحاصلة من اجتماع أمور كثيرة منها الخارق للعادة و منها كونه مقرونا بالدعوى، و منها سلامته عن المعارضة فانتهضت هذه القرائن بمجموعها دالة على صدق المدعي نازلة منزلة التصديق بالقول، و ذلك مثل العلم الحاصل من سائر القرائن، أعني قرائن الحال و قرائن المقال.
و وجه آخر: الآية الخارقة للعادة كما دلت بوقوعها على قدرة الفاعل و باختصاصها على إرادته و بأحكامها على علمه كذلك دلت بوقوعها مستجابة لدعاء الداعي لا لدعوى المدعي على أن له عند اللّه حالة صدق و مقالة حق، و من كانت دعوته مستجابة عند اللّه يستحيل أن يكون في دعواه كاذبا على اللّه تعالى و هذا هو حقيقة النبوة و ذلك أن استجابته في أمور لا يقدر الخلق على ذلك دليل على صدق هذا الداعي، و لو قدر الداعي كاذبا في نفسه على اللّه أقبح كذب و هو الرسالة عنه بما لم يرسل انقلب دليل الصدق دليلا على الكذب و هو متناقض و نحن لا ننكر أن يكون شخص من الأشخاص مستجاب الدعوة، ثم ينقلب حاله إلى حالة الأشقياء كما لا ننكر أن يظهر خارق للعادة على يد ساحر، لكن الشرط في الأمرين واحد و هو أن يكون المدعي في حال ما يدعي مستجاب الدعوة بالآية حتى تكون الآية دالة على صدق حالته و درجته عند اللّه تعالى، و إذا قدر كونه كاذبا انقلبت الدلالة على الصدق دلالة على الكذب، و هو محال لتناقضه و كما أن الوقوع إذا دل على القدرة لم يدل على العجز و الإحكام لما دل على العلم لم يدل على الجهل كذلك دليل الصدق لا يجوز أن يكون دليلا على الكذب، و هذه الطريقة أحسن من الأولى.
و وجه آخر نقول: إن قرينة الصدق ملازمة لتحدي النبي الصادق عن اللّه تعالى و ذلك أن المعجزة تنقسم إلى منع المعتاد و إلى إثبات غير المعتاد، أما المنع فكالجنس من الحركات الاختيارية مع سلامة البنية و إحساس التيسير، و الثاني في مجرى العادة و مثال ذلك تيه بني إسرائيل في قطع الطريق و منع السّحرة من التخييل و حصر زكريا من الكلام المعتاد، و يجوز أن يقدر صرف الدواعي عن المعارضة بمثل ما جاء به النبي عليه السلام من جنس المعجزات و إن كان ذلك من قبيل مقدوراتهم و لهذا عد بعضهم إعجاز القرآن من هذا القبيل و هو مذهب مهجور، و يجوز أن يقدر منع الناس عن التحدي بمثل ما تحدى به النبي من جنس المعجزات، فلا يقدر أحد على المعارضة بالدعوى، فضلا عن معارضته بالخارق للعادة، و يكون لهذه المعجزة قرينة متصلة بنفس الدعوى حتى لا تخلو قط دعوى نبي من الأنبياء عن قرينة الصدق و لا تتأخر الدلالة عن نفس التحدي و هذا أبلغ في باب الإعجاز فإن المتصدي للمعارضة يحس