نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٣
إنما يمكن تصوره في الوهم و التقدير لا في الوجود كالعدد يقال له: إنه لا ينتهي تضعيفا و ليس نعني به أن العدد غير المتناهي موجود محصور بل المعنى أنك إذا قدرت أو توهمت ضعفا فوق ضعف إلى ما لا يتناهى أمكنك ذلك كذلك المعلولات و المقدورات على التقدير الوهمي لا يتناهى و لصلاحية العلم أن يعلم به كل ما يصح أن يعلم و يخبر عنه يقال: إن العلم لا يتناهى و ذلك لصلاحية القدرة أن يقدر بها على كل ما يصح أن يقدر عليه يقال إن القدرة لا تتناهى فلا القدرة و لا العلم أمر بسيط ذاهب في الجهات لا يتناهى، و لا المعلومات و المقدورات أعداد كثيرة لا تتناهى، و هكذا ينبغي أن تفهم من معنى قولنا ذات الباري سبحانه لا تتناهى أي هو واحد لا يقبل الانقسام بوجه من الوجوه، فلا يتطرق إليه نهاية بوجه من الوجوه.
شبه الدهرية قالوا: إذا قلتم إن العالم محدث بعد أن لم يكن فقد تأخر وجوده عن وجود الباري تعالى فلا يخلو إما أن يتأخر بمدة أو لا بمدة فإن تأخر لا بمدة فقد قارن وجوده وجود الباري تعالى، و إن تأخر بمدة فلا يخلو إما أن تأخر بمدة متناهية أو بمدة غير متناهية فإن تأخر بمدة متناهية فقد وجب تناهي وجود الباري سبحانه و إن تأخر بمدة غير متناهية فنفرض في تلك المدة موجودات لا تتناهى فإنه إن لم يمتنع مدة لا تتناهى لم يمتنع عدة لا تتناهى [١].
و الجواب قلنا: هذا الكلام غير مستقيم وضعا و تقسيما أما الوضع فقولكم لو كان العالم محدثا كان وجوده متأخرا فإن عنيتم به التأخر بالزمان فغير مسلم، فإنا قد بينا أن التقدم و التأخر و المعية الزمانية تمتنع في حق الباري سبحانه.
و على هذا لم يصح بنا التقسيم عليه أنه متأخر بمدة أو لا بمدة فإن ما لا يقبل المدة ذاتا و وجودا لا يقال له تقدم أو تأخر أو قارن بمدة أو لا بمدة فأحلتم علينا تقدما و تأخرا و معية زمانية للباري تعالى و إذا منعنا ذلك ألزمتم علينا مقارنة في الوجود و ذلك تلبيس فإنا إذا منعنا التقدم و التأخر الزماني منعنا المقارنة الزمانية، بل وجود الباري تعالى لا يقال متقدم بالزمان كما لا يقال أيضا فوق بالمكان و لا يقال مقارن بالزمان كما لا يقال مجاور للعالم بالمكان و إن عنيتم بالتأخر في الوجود أي الموجد مفيد الوجود و الموجد مستفيد الوجود و الموجد لا أول لوجوده و الموجد له أول فهو
[١] انظر: شرح قصيدة ابن قيم (ص ٣٦٠)، و الفرق بين الفرق للبغدادي (ص ١٥٧، ٢٩٤)، و الفصل في الملل و النحل لابن حزم (٢/ ١٤٤)، و الملل و النحل للشهرستاني (٢/ ١٥١)، و تلبيس الجهمية لابن تيمية (١/ ٣٠٠)، و التبصير في الدين (ص ١٤٩).