نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٢٦
و قوله: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [القصص: ٧٣]، و اعلم أنه كما لا تطرق لم إلى ذات الباري تعالى و صفاته لم تتطرق إلى صنائعه و أفعاله حتى لا يلزم أن يجاب لأنه كذا أو لكونه كذا، فلا يقال: لم وجد و لم كان العالم و لا يقال لم أوجد العالم و لم خلق العباد و لم كلف العقلاء و لم أمر و نهى و لم قدر و قضى لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ [الأنبياء: ٢٣].
قالت المعتزلة: نحن على طريقين في وجوب رعاية الصلاح و الأصلح فشيوخنا من بغداد حكموا بأن الواجب في الحكمة لخلق العالم و خلق من يكون قابلا للتكليف ثم استصلاح حاله بأقصى ما يقدر من إكمال العقل و الأقدار على النظر و الفعل و إظهار الآيات و إزاحة العلل و كل ما ينال العبد في الحال و المآل من البأساء و الضراء و الفقر و الغنى و المرض و الصحة و الحياة و الموت و الثواب و العقاب فهو صلاح له حتى تخليد أهل النار في النار صلاح لهم و أصلح فإنهم لو أخرجوا منها لعادوا لما نهوا عنه و صاروا إلى شر من الأول و شيوخنا من البصرة صاروا إلى أن ابتداء الخلق تفضل و إنعام من اللّه تعالى من غير إيجاب عليه لكنه إذا خلق العقلاء و كلفهم وجب عليه إزاحة عللهم من كل وجه و رعاية الصلاح و الأصلح في حقهم بأتم وجه و أبلغ غاية.
قالوا: و الدليل على المذهبين أن الصانع حكيم و الحكيم لا يفعل فعلا يتوجه عليه سؤال و يلزم حجة بل يزيح العلل كلها فلا يكلف نفسا إلا وسعها و لا يتحقق الوسع إلا بإكمال العقل و الإقدار على الفعل و لا يتم الغرض من الفعل إلا بإثبات الجزاء وَ لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [الجاثية: ٢٢] فأصل التخليق و التكليف صلاح و الجزاء صلاح و أبلغ ما يمكن في كل صلاح هو الأصلح و زيادات الدواعي و الصوارف و البواعث و الزواجر في الشرع و تقدير ألطاف بعضها خفي و بعضها جلي فأفعال اللّه تعالى اليوم لا تخلو من صلاح و أصلح و لطف و أفعال اللّه تعالى غدا على سبيل الجزاء إما ثواب أو عوض أو تفضل فالصلاح ضد الفساد و كل ما عري عن الفساد يسمى صلاحا و هو الفعل المتوجه إلى الخير من قوام العالم و بقاء النوع عاجلا و المؤدي إلى السعادة السرمدية آجلا و الأصلح هو إذا صلاحان و خيران فكان أحدهما أقرب إلى الخير المطلق، فهو الأصلح و اللطف هو وجه التيسير إلى الخير و هو الفعل الذي علم الرب تعالى أن العبد يطيع عنده و ليس في مقدور اللّه تعالى لطف و فعل لو فعله لآمن الكفار، ثم الثواب هو الجزاء على الأعمال الحسنة و العوض هو البدل عن الفائت كالسلامة التي هي بدل الألم و النعيم الذي هو في مقابلة البلايا و الرزايا و الفتن