نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٢٤
فشر بل لا بدّ و أن ينحو غرضا و يقصد صلاحا و يريد خيرا، ثم إن النفع ينقسم إلى ما يرجع إلى الفاعل إن كان محتاجا إليه أو إلى غيره، و إن كان الفاعل غنيا غير محتاج كإنقاذ الغرقى و تخليص الهلكى مستحسن في العقل، و ربما لا يكون المنقذ مكتسبا نفعا و متوقعا حمدا أو أجرا، و عن ذلك ورد في بعض الكتب «ما خلقت الخلق لأربح عليهم بل خلقتهم ليربحوا عليّ».
و الذي يقرره: أن الحكمة في خلق العالم ظاهرة لمن تأملها بالعقل منصوصة لمن طلبها في السمع.
أما العقل: فقد شهد بأن الحكمة في خلق العالم إظهار آيات ليستدل بها على وحدانيته و يتوصل بها إلى معرفته فيعرف و يعبد و يستوجب به ثواب الأبد.
و أما السمع فآيات القرآن كثيرة منها قوله تعالى: وَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَ لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [الجاثية: ٢٢]، و لهذا صار كثير من العقلاء إلى أن أول ما يخلقه الرب تعالى يجب أن يكون عاقلا مفكرا لأن خلق شيء من غير من ينظر فيه باعتبار و يتوسل إلى معرفة الباري تعالى باستبصار عبث و سفه.
قالوا: و ما ذكرناه لا ينافي الغنى بل هو كمال الغنى عن خلقه فإن كمال الغنى لا يعرف إلا باحتياج كل العالم إليه و احتياج العالم إنما يعرفه العالم فيستدل به على انفراده تعالى بغناه و للّه تعالى في كل صنع من صنائعه حكمة ظاهرة و آية تدل على وحدانيته باهرة لا تنكرها العقول السليمة و لا ينبو عنها إلا الأوهام السقيمة.
قال أهل الحق مسلم أن الحكيم من كانت أفعاله محكمة متقنة و إنما تكون محكمة إذا وقعت على حسب علمه و إذا حصلت على حسب علمه لم تكن جزافا و لا وقعت بالاتفاق.
و قولكم: لا بدّ و أن ينحو غرضا و يريد صلاحا فما المعنى بالغرض و ما المعنى بالصلاح و لا يشك أنكم تفسرون الغرض باجتلاب نفع أو دفع ضرر إذ القادر الحق على كل شيء و الغنى المطلق عن كل شيء متقدس عن الضرر و النفع و الألم و اللذة و يتعالى عن أن يكون محلا للحوادث قابلا للاستحالة و التغيرات، و إن فسرتموه بنفع الغير و صلاحه فما النفع المطلق، و ما الصلاح المطلق في خلق العالم بأسره إن قلتم يستدل بوجود دلائله على وحدانيته.
قيل لكم: و الحكيم إذا فعل فعلا لغرض معين وجب أن يحصل له ذلك الغرض من كل وجه و لا يتخلف غرضه من وجه و إلا فينسب إلى الجهل و العجز و من المعلوم