نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٢٣
كما ينبغي على ما ينبغي من غير ادخار ممكن من ضرورة أو حاجة أو رقبة بحيث لو قدر غيره من الممكنات الوهمية كان نقصا في ذلك الموضوع لا كمالا فكل ذلك بلا عوض و لا فائدة و غيره يتصور أمرا ثم يعرض له احتياج إلى وجوده فيحتال لوجوده ليتم غرضه به كمن يريد يبني دارا تصورها أولا ثم احتاج إليها للاستكنان و السكنى احتال لوجودها آلاتها ليتم غرضه بها أو من يهب مالا أو يعطي عطاء ابتداء أو عقيب سؤال يتصور في نفسه أولا اكتساب حمد و جزاء و حمله على ذلك ضعف حال الفقير فرق له رقة الجنسية فأنعم عليه كان الحامل له على النوال نفع يلحقه أو ضرر يدفعه و تعالى الخالق الأول عن ذلك، و لم يكن تصوره و علمه من المتصور المعلوم حتى يكون هو الحامل بل المتصور من العلم و المقدور من القدرة هذا كلام القوم و هو حسن لو لا تشبيههم بأمور لا نرتضيها و التزامهم أمورا لا نستقصيها [١].
فقال أهل الحق الدليل على أن الباري تعالى غني على الإطلاق إذ لو كان محتاجا من وجه كان من ذلك الوجه مفتقرا إلى من يزيل حاجته فهو منتهى مطلب الحاجات و من عنده نيل الطلبات و لا يبيع نعمه بالأثمان، و لا يكدر عطاياه بالامتنان، فلو خلق شيئا ما لعلة تحمله على ذاك أو لداعية تدعوه إليه أو لكمال يكسبه أو حمد و أجر يحصله لم يكن غنيا حميدا مطلقا و لا برا جوادا مطلقا بل كان فقيرا محتاجا إلى كسب.
و الذي يقرره أن كل صلاح نقدره بالعقل بالنسبة إلى شخص عارضه صلاح فوق ذلك أو فساد مثل ذلك بالنسبة إلى شخص آخر فلئن كان الصلاح يقتضي وجوده بالنسبة إلى ذلك الشخص فالفساد يقتضي عدمه بالنسبة إلى شخص آخر، فالسم في أصحاب السموم صلاح و في غيرهم من الحيوانات فساد، فلو كان الصلاح اقتضى وجوده فالفساد اقتضى عدمه و كما يختلف ذلك بالأشخاص يختلف الصلاح و الفساد بالجزئي و الكلي و نحن لا ننكر أن أفعال اللّه تعالى اشتملت على خير و توجهت إلى صلاح و أنه لم يخلق الخلق لأجل الفساد و لكن الكلام إنما وقع في أن الحامل له على الفعل ما كان صلاحا يرتقبه و خيرا يتوقعه بل لا حامل له و فرق بين لزوم الخير و الصلاح لأوضاع الأفعال و بين حمل الخير و الصلاح على وضع الأفعال كما يفرق فرقا ضروريا بين الكمال الذي يلزم وجود الشيء و بين الكمال الذي يستدعي وجود الشيء فإن الأول فضيلة هي كالصفة اللازمة و الثاني فضيلة كالعلة الحاملة.
قالت المعتزلة: قد قام الدليل على أن الرب تعالى حكيم و الحكيم من تكون أفعاله على إحكام و إتقان، فلا يفعل فعلا جزافا، فإن وقع خيرا فخير و إن وقع شرا
[١] انظر: الملل و النحل للمصنف (٢/ ١٥).