نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢١٧
و القبح من حيث العادة و يثبت الحسن و القبح من حيث التكليف.
و أما ما ذكروه من رفع المعاني المعقولة في مجاري الحركات التكليفية و الأحكام الشرعية فذلك لعمري مشكل في المسألة.
و الجواب عنه من وجهين أحدهما أن نقول ما من معنى يستنبط من فعل و قول لربط حكم إلا و من حيث العقل يعارضه معنى آخر يساويه في الدرجة أو يفضل عليه في المرتبة فيتحير العقل في الاختيار إلى أن يرد شرع يختار أحدهما اعتبارا فحينئذ يجب على العاقل اعتباره و اختياره.
و نضرب له مثلا فنقول إذا قتل إنسان إنسانا مثله فيعرض للعقل الصريح هاهنا آراء مختلفة كلها متعارضة أحدها أن يقتل به قصاصا ردعا للعاتي من كل مجترئ و فيه استبقاء نوع الإنسان و تشف للغيظ من كل قريب و فيه استطابة نفس الإنسان و يعارضه معنى آخر و هو أنه إتلاف في مقابلة إتلاف و عدوان بإزاء عدوان و لا يحيا الأول بقتل الثاني و إن كان في الردع إبقاء بالتوقع و التوهم ففي القصاص إهلاك الشخص بناجز الحال و التحقيق و ربما يعارضه معنى ثالث وراءهما فيفكر العقل أ يراعي شرائط أخرى سوى مجرد الإنسانية من العقل و البلوغ و العلم و الجهل أم من الدين و الطاعة أم من النسب و الجوهر، فيتحير العقل كل التحير فلا بد إذا من شارع يقرر من المعاني ما وجب على العبد و حيا و تنزيلا و أنها كلها رجعت إلى استنباط عقلك و وضع ذهنك من غير أن كان الفعل مشتملا عليها فإنها لو كانت صفات نفسية لاشتملت حركة واحدة على صفات متناقضة و أحوال متنافرة، و ليس معنى قولنا: إن العقل يستنبط منها أنها كانت موجودة في الشيء يستخرجها العقل بل العقل تردد بين إضافات الأحوال بعضها إلى بعض و نسب الأشخاص و الحركات نوعا إلى نوع و شخصا إلى شخص فطري مثله من تلك المعاني ما حكيناه و أحصيناه و ربما يبلغ إلى ما لا يحصى فعرف بذلك أن المعاني لم ترجع إلى الذوات بل إلى مجرد الخواطر الطارئة على العقل و هي متعارضة.
و الجواب الثاني: أن نقول لو كان الحسن و القبح و الحلال و الحرام و الوجوب و الندب و الإباحة و الحظر و الكراهة و الطهارة و النجاسة راجعة إلى صفات نفسية للأعيان أو الأفعال لما تصور أن يرد الشرع بتحسين شيء و آخر بتقبيحه و لما تصور نسخ الشرائع حتى يتبدل حظر بإباحة و حرام بحلال و تخير بوجوب و لما كان اختلفت الحركات بالنسبة إلى الأوقات تحريما و تحليلا أ ليس الحكم في نكاح الأخت للأب و الأم في شرع أبينا آدم عليه السلام بخلاف الحكم في الجمع بين الأختين المتباعدتين