نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢١٣
الصدق و الكذب و إن اختار الصدق لم يكن اختياره أمرا ضروريا و لا يقارنه العلم بوجوب اختياره ضرورة و لو استروح إليه فلداع أو اعتياد أو غرض يحمله على ذلك و من استوى عنده الصدق و الكذب في الملام في الحال و العقاب في ثاني الحال لم يرجح أحدهما على الثاني لأمر في ذاته.
و أما استحسان العقلاء إنقاذ الغرقى و استقباحهم للعدوان فلطلب ثناء يتوقع منهم على ذلك الفعل و ذم على الفعل الثاني و مثل هذا قد سلمناه و لكنا فرضنا القول في حكم التكليف هل يستحق على اللّه ثواب و عقاب بعد أن علم أنه لا يلحقه ضرر و لا نفع من فعله.
و أما المتنازعان بالنفي و الإثبات في أمر معقول قبل ورود الشرع و إنكار كل واحد منهما على صاحبه فمسلم لكن الكلام وقع في حق اللّه تعالى هل يجب عليه أن يمدح و يذم و يثيب و يعاقب على ذلك الفعل و ذلك غيب عنا فبم يعرف أنه يرضى عن أحدهما و يثيبه على فعله و يسخط على الثاني و يعاقبه على فعله و لم يخبر عنه مخبر صادق و لا دل على رضاه و سخطه فعل و لا أخبر عن محكومه و معلومه مخبر و لا أمكن أن تقاس أفعاله على أفعال العباد فإنا نرى كثيرا من الأفعال تقبح منا و لا تقبح منه كإيلام البريء و إهلاك الحرث و النسل إلى غير ذلك و عليه يخرج إنقاذ الغرقى و الهلكى فإن نفس الإغراق و الإهلاك يحسن منه تعالى و لا يقبح و ذلك منا قبيح و الإنقاذ إن كان حسنا فالإغراق يجب أن يكون قبيحا فإن قدر في ضمن إهلاكه سر لم نطلع عليه أو غرض لم نوصله إليه إلا به فليقدر في إهلاكنا كذلك و الفعل من حيث الصفات النفسية واحد فلم قبح من فاعل و حسن من فاعل.
و أما ما قدروه من تنازع المتنازعين في مسألة عقلية فذلك لعمري من مستحسنات العقول من حيث إن أحدهما علم و الثاني جهل لا من حيث إن أحدهما مكتسب له مستوجب على كسبه ثوابا على اللّه تعالى لأنهما و إن اقتسما صدقا و كذبا و علما و جهلا لم يستوجبا بشروعهما في النظر و مخاصمتهما على تجاذب الكلام على اللّه تعالى ثوابا و عقابا و لم يعرف بمجرد المناظرة أن حكم اللّه في حقهما إذا كان الشروع جائزا أو محرما بل يتعارض الأمر بين الجواز و التحريم فوجه الجواز فيه أنه اشتغال بالنظر و النظر متضمن للعلم و العلم محمود لنفسه و جنسه و الطريق المحمود محمود و وجه التحريم فيه إنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه و اشتغال بالنظر و هو مخاطرة و ربما يخطئ و ربما يصيب و إن أخطأ فربما يحصل له الجهل و الجهل مذموم لجنسه و نفسه فمن هذا الوجه أوجب العقل التوقف و من ذلك الوجه أوجب الشرع