نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢١٢
اتصالاتها نظر نحس و سعد وجب أن يكون في أثرها حسن و قبح في الخلق و الأخلاق و العقول الإنسانية متساوية في النوع فوجب أن يدركها كل عقل سليم و طبع قويم و لا تتوقف معرفة المعقولات على من هو مثل ذلك العاقل في النوع ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ [المؤمنون: ٢٤]، فنحن لا نحتاج إلى من يعرفنا حسن الأشياء و قبحها و خيرها و شرها و نفعها و ضرها و كما كنا نستخرج بالعقول من طبائع الأشياء منافعها و مضارها، كذلك نستنبط من أفعال نوع الإنسان حسنها و قبحها، فنلابس ما هو حسن منها بحسب الاستطاعة، و نجتنب ما قبح منها بحسب الطاقة فلا نحتاج إلى شارع متحكم على عقولنا بما يهتدي و لا يهتدي أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا [التغابن: ٦]، وَ لَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ [المؤمنون: ٣٤]، فهذه مقالة القوم و لها شرح ذكرناه في كتابنا الموسوم بالملل و النحل.
و زادت التناسخية على الصابئة بأن قالت: نوع الإنسان لما كان موصوفا بنوع اختيار في أفعاله مخصوصا بنطق و عقل في علومه و أحواله ارتفع عن الدرجة الحيوانية استسخارا لها، فإن كانت أعماله على مناهج الدرجة الإنسانية ارتفعت إلى الملكية أو إلى النبوة و إن كانت على مناهج الدرجة الحيوانية انخفضت إلى الحيوانية أو إلى أسفل و هو أبدا في أحد أمرين إما فعل الجزاء أو جزاء على فعل كما يقولون كرد و باداشت فما بالنا نقول محتاج في أفعاله و أحواله إلى شخص مثله يقبح و يحسن فلا العقل يحسن و يقبح و لا الشرع لكن حسن أفعاله جزاء على حسن أفعال غيره و قبح أفعاله كذلك و ربما يصير حسنها و قبحها صورا حيوانية، و ربما يصير الحسن و القبح في الحيوانية أفعالا إنسانية و ليس بعد هذا العالم جزءا يحكم فيه و يحاسب و يثاب و يعاقب [١].
و زادت البراهمة على التناسخية بأن قالوا: نحن لا نحتاج إلى شريعة و شارع أصلا، فإن ما يأمر به النبي صلى اللّه عليه و سلم لا يخلو إما أن يكون معقولا أو لا يكون معقولا، فإن كان معقولا، فقد استغنى بالعقل عن النبي صلى اللّه عليه و سلم و إن لم يكن معقولا لم يكن مقبولا.
أجاب أهل الحق عن مقالة كل فرقة فقالوا للمعتزلة المعارضة غير صحيحة، فإن ما ذكرناه من الفرق بين العلم بأن الاثنين أكثر من الواحد، و الحكم بأن الكذب قبيح ظاهر لا مراء فيه و ما ذكرتموه غير مسلم، فإنه يستوي عند صاحب الحاجة طرفا
[١] انظر: غاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص ٢٢٧، ٣١٨)، و الملل و النحل للمصنف (٢/ ١١، ٣٧، ٤٣، ١٩٩)، و المواقف للإيجي (٢/ ٥١٥، ٥٢٠).