نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢١١
المطلق مرفوض العقل لذاته و الممتزج فمن وجه و من وجه و لا يشك العاقل في أن العلم بجنسه و نوعه خير محمود و مطلوب و الجهل لجنسه و نوعه شر مذموم غير مطلوب و كل ما هو مطلوب العقل فهو مستحسن عند العقلاء و كل ما هو مهروب العقل فهو مستقبح عند الجمهور و الفطرة السليمة داعية إلى تحصيل المستحسن و رفض المستقبح سواء حمله عليه شارع أو لم يحمله ثم الأخلاق الحميدة و الخصال الرشيدة من العفة و الجود و الشجاعة و النجدة مستحسنات فعلية و أضدادها مستقبحات علمية، و كمال حال الإنسان أن تستكمل النفس قوتي العلم الحق و العمل الخير تشبيها بالإله تعالى و الروحانيات العلوية بحسب الطاقة و الشرائع إنما ترد بتمهيد ما تقرر في العقول لا بتغييرها، لكن العقول الجزئية لما كانت قاصرة عن اكتساب المعقولات بأسرها عاجزة عن الاهتداء إلى المصالح الكلية الشاملة لنوع الإنسان وجب من حيث الحكمة أن يكون بين الناس شرع يفرضه شارع يحملهم على الإيمان بالغيب جملة و يهديهم إلى مصالح معاشهم و معادهم تفصيلا فيكون قد جمع لهم بين خصلتي العلم و العمل على مقتضى العقل و حملهم على التوجه إلى الخير المحض و الإعراض عن الشر المحض استبقاء لنوعهم و استدامة لنظام العالم، ثم ذلك الشارع يجب أن يكون من بينهم مميزا بآيات تدل على أنها من عند ربه راجحا عليهم بعقله الرزين و رأيه المتين و لفظه المبين و حدسه النافذ و بصره الناقد و خلقه الحسن و سمته الأرصن يلين لهم في القول و يشاورهم في الأمر و يكلمهم على مقادير عقولهم و يكلفهم بحسب طاقتهم و وسعهم كما ورد في الكتاب ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥].
قالوا: و قد أخطأت المعتزلة حيث ردوا القبح و الحسن إلى الصفات الذاتية للأفعال و كان من حقهم تقرير ذلك في العلم و الجهل إذا الأفعال تختلف بالأشخاص و الأزمان و سائر الإضافات و ليست هي على صفات نفسية لازمة لها لا تفارقها البتة.
و أخطأت الأشعرية: حيث رفعتهما عن العلم الذي ليس في نوعه ذميم و عن الجهل الذي ليس في نوعه حميد إذ السعادة و الشقاوة الأبدية مخصوصتان بهما مقصورتان عليهما، و الأفعال معينات أو مانعات بالعرض لا بالذات و تختلف بالنسبة إلى شخص و شخص و زمان و زمان.
ثم زادت الصابئة على الفلاسفة بأن قالوا: كما كانت الموجودات في العالم السفلي مرتبة على تأثير الكواكب و الروحانيات التي هي مدبرات للكواكب و في