نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢١
الحركات الماضية كأنها موجودة متعاقبة، و الأزمنة أيضا كأنها موجودة وهما متعاقبة على مثال خط موهوم لا يتناهى تركب من نقط متتالية، و الحدود في الحركات و الأوقات في الأزمنة كالنقط في الخطوط و التعاقب كالتتالي و العلة التي لأجلها امتنع ألا تتناهى، و وجب أن تتناهى فهو أنه مؤد إلى أنه يكون الأقل مثل الأكثر، و الناقص مثل الزائد و هذا موجود في الموضعين جميعا، و لذلك قال المتكلم: إنا إذا فرضنا الكلام في اليوم الذي نحن فيه، و قلنا ما مضى من الأيام غير متناه عندكم و ما بقي أيضا غير متناه و الباقي و الماضي متساويان متماثلان في عدم التناهي، فلو فصلنا من الماضي سنة و أضفناها إلى الباقي صار الماضي ناقصا و الباقي زائدا و هما متماثلان في نفي التناهي أدى ذلك إلى أن يكون الزائد مثل الناقص.
الوجه الثاني: أنه لو لم يتحقق في الحركات و الأشخاص ترتيب وضعي فقد تحقق فيها ترتيب طبيعي كالعلل و المعلولات، فإنها لا بدّ أن تكون متناهية بالاتفاق و ذلك أن كل معلول فهو ممكن الوجود بذاته، و إنما يجب وجوده بعلته فيتوقف وجوده على وجود علته و الكلام في علته كذلك حتى يتناهى إلى علة أولى ليست ممكنة لذاتها، كذلك نسبة كل والد إلى مولود نسبة العلة إلى معلولها فيتوقف وجود الولد على وجود الوالد و كذلك القول في الوالد فهلا قلت ينتهي إلى والد أول و مع ذلك فالأشخاص عندكم لا تتناهى ثم يعدّد لكل شخص إنساني قد وجد نفس ناطقة و هي باقية مجتمعة في الوجود فالأشخاص إذا كانت لا تتناهى؟ و جاز وجودها لأنها متعاقبة لا مجتمعة معا في الوجود فما قولك في النفوس فإنها مجتمعة و هي لا تتناهى، فإن قال: ليس لها ترتيب طبيعي و لا وضعي قيل: فإذا ترتبت الأشخاص والدا و مولودا ترتبت النفوس أيضا ذلك الترتيب لأن من العوارض و اللوازم المعينة للنفوس كونها بحيث إن صدرت عن أشخاصها أشخاص، فهذه النسبة باقية ببقائها، و لذلك النوع ترتيب.
برهان آخر: في أن ما لا يتناهى من الحوادث و الحركات لا يتحقق في الوجود:
و ذلك أنا نفرض الكلام في الدورة التي نحن فيها و لا شك إن ما مضى قد انتهى بها و ما انتهى بشيء فقد تناهى و معنى قولنا: إن ما مضى قد انتهى أنا إذا أردنا قصر النظر على ما نحن فيه و قطعناه عما سيأتي اقتضى ذلك تناهي الحركات الماضية إذ بتناهي الحركات الماضية لم يكن مشروطا فيها لحوق الحركات الآتية فما من حركة توجد و تعدم إلا و قد انقضت حركات قبلها بلا نهاية فيوجد أبدا طرف منها متناهيا و يكون ذلك الطرف آخر الماضي و أولا لما بقي فكل حركة أو كل دورة فقد تحقق لها أول و آخر و إذا تناهى من طرف فقد تناهى من الطرف الثاني، فالحركات كلها إذا في