نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٠٩
لا يفيد فائدة، و منها ما يدرك نظرا بأن يعتبر الحسن و القبح في الضروريات، ثم يرد إليها ما يشاركها في مقتضياتها ثم يرتبون على ما ذكرناه قولهم في الصلاح و الأصلح و اللطف و الثواب و العقاب.
و قد فرق أبو الحسن الأشعري بين حصول معرفة اللّه تعالى بالعقل و بين وجوبها به فقال: المعارف كلها إنما تحصل بالعقل لكنها تجب بالسمع و إنما دليله في هذه المسألة لنفي الوجوب التكليفي بالعقل لا لنفي حصول العقلي عن العقل.
قال أهل الحق: لو قدرنا إنسانا قد خلق تام الفطرة كامل العقل دفعة واحدة من غير أن يتخلق بأخلاق قوم و لا تأدب بآداب الأبوين و لا تزيّا بزي الشرع، و لا تعلم من معلم، ثم عرض عليه أمران أحدهما: أن الاثنين أكثر من الواحد، و الثاني: أن الكذب قبيح بمعنى أنه يستحق من اللّه تعالى لوما عليه لم يشك أنه لا يتوقف في الأول، و يتوقف في الثاني و من حكم بأن الأمرين سيان بالنسبة إلى عقله خرج عن قضايا العقول و عاند عناد الفضول أو لم يتقرر عنده أن اللّه تعالى لا يتضرر بكذب، و لا ينتفع بصدق، فإن القولين في حكم التكليف على وتيرة واحدة، و لم يمكنه أن يرجح أحدهما على الثاني بمجرد عقله.
و الذي يوضحه: أن الصدق و الكذب على حقيقة ذاتية لا تتحقق ذاتهما إلا بأن كانت تلك الحقيقة مثلا كما يقال إن الصدق إخبار عن أمر على ما هو به و الكذب إخبار عن أمر على خلاف ما هو به و نحن نعلم أن من أدرك هذه الحقيقة عرف التحقق و لم يخطر بباله كونه حسنا أو قبيحا فلم يدخل الحسن و القبيح إذا في صفاتهما الذاتية التي تحققت حقيقتهما و لا لزمتهما في الوهم بالبديهة كما بينا و لا لزمها في الوجود ضرورة فإن من الأخبار الصادقة ما يلام عليها كالدلالة على نبي هرب من ظالم و من الأخبار التي هي كاذبة ما يثاب عليها مثل إنكار الدلالة عليه فلم يدخل كون الكذب قبيحا في حد الكذب و لا لزمه في الوهم و لا لزمه في الوجود فلا يجوز أن يعد من الصفات الذاتية التي تلزم النفس وجودا و عدما عندهم و لا يجوز أن يعد من الصفات التابعة للحدوث فلا يعقل بالبديهة و لا بالنظر فإن النظري لا بدّ و أن يرد إلى الضروري البديهي، و إذا لا بديهي فلا مرد له أصلا فلم يبق لهم إلا استرواح إلى عادات الناس من تسمية ما يضرهم قبحا و ما ينفعهم حسنا و نحن لا ننكر أمثال تلك الأسامي على أنها تختلف بعادة قوم دون قوم و زمان و زمان و مكان و مكان و إضافة و إضافة، و ما يختلف بتلك النسب، و الإضافات لا حقيقة لها في الذات، فربما يستحسن قوم ذبح الحيوان و ربما يستقبحه قوم و ربما يكون بالنسبة إلى قوم و زمان