نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٠٦
وَ بِكَلامِي [الأعراف: ١٤٤]، فالرسالات بواسطة الرسل و الكلام من غير واسطة لكنه من وراء حجاب، و أما في حقنا فكلام اللّه تعالى مسموع بأسماعنا مقروء بألسنتنا محفوظ في صدورنا و قد تبين الفرق بين القراءة و المقروء في مسألة الكلام [١].
و مما تمسك به الأشعري في جواز رؤية الباري جلّ جلاله سؤال موسى عليه السلام رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف: ١٤٣]، و جواب الرب تعالى: لَنْ تَرانِي [الأعراف: ١٤٣]، و وجه الاستدلال أن موسى عليه السلام هل كان عالما بجواز الرؤية أم كان جاهلا بذلك، فإن كان جاهلا فهو غير عارف باللّه تعالى حق معرفته، و ليس يليق ذلك بجناب النبوة، و إن كان عالما بالجواز فقد علمه على ما هو به و السؤال بالجائز يكون لا بالمستحيل و جواب الرب تعالى لَنْ تَرانِي [الأعراف:
١٤٣]، يدل على الجواز أيضا فإنه ما قال لست بمرئي لكنه أثبت العجز أو عدم الرؤية من جهة الرائي و عن هذا قال وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي [الأعراف: ١٤٣]، إذ الجبل لما لم يكن مطيقا للتجلي مع شدته و صلابته فكيف يكون البصر مطيقا فربط المنع بأمر جائز و مع جوازه أحال المنع على ضعف الآلة لا على منع الاستحالة أ ليس لو كان السؤال أَرِنِي أَنْظُرْ [الأعراف:
١٤٣]، إلى وجهك أو إلى شخصك و صورتك لم يكن الجواب بقوله:
لَنْ تَرانِي [الأعراف: ١٤٣] بل لست بذي شخص و صورة و وجه و مقابلة فدل أن السؤال كان بأمر جائز فتحقق الجواز، و إن قيل لن للتأبيد فهو محال من وجهين أحدهما:
أن لن للتأكيد لا للتأبيد أ ليس قال: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً [الكهف: ٧٢]، و هو جائز غير محال و الثاني: أنه و إن كان للتأبيد فليس يدل على منع الجواز بل يدل على منع وقوع الجائز و إنما استدللنا بالآية لإثبات الجواز و تأبيد لن لا ينافيه.
فإن قيل سأل الرؤية لقومه لا لنفسه و إنما سألها إلزاما عليهم بقول اللّه سبحانه:
لَنْ تَرانِي [الأعراف: ١٤٣]، حيث قالوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء: ١٥٣].
[١] انظر: الملل و النحل للمصنف (١/ ١٠٠)، و الغنية في أصول الدين للحاكم للنيسابوري (ص ١٤٤).