نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٠٤
و العرض قلنا: الإنسان يدرك من نفسه إدراك الحجمية الجوهر و تحيزه و شكله من تدوير و تثليث و تربيع و تخميس إلى غير ذلك من الأشكال، و لهذا يبصر شخصا من بعد فيدري شخصيته و يشك في لونه و صغره و كبره، كما ذكرنا أسباب ذلك ثم يدرك بعد شكله و لونه، فعرف أن الأشكال و الألوان غير، و الجسم من حيث هو جسم غير في البصر، و قد أدركهما البصر جميعا فلا بد من مصحح جامع بينهما و ذلك ما عيناه و لذلك قلنا إن اللون و المتلون لن يصلح أن يكون علة لأنه تركيب في العلة و مع كونه تركيبا هو تشكيل فإنهم يقولون المصحح هو اللون أو المتلون فلا العلة المركبة صالحة و لا التشكيل في العلة مستعمل فبطل ما نصبوه علة و صح ما نصبناه.
و قولهم: لم تتعلق الرؤية بجميع الأعراض؟
قلنا: و لو تعلقت حسا بجميع الأعراض ما كنا نحتاج إلى طلب العلة كما لم نحتج إلى طلب العلة لتعلق العلم بالمعلوم إذ تعلق بكل ما يصح أن يعلم معدوما أو موجودا محالا أو ممكنا لكنا نطلب العلة لأنها تعلقت بالبعض و كما تعلقت ببعض الأعراض تعلقت بجميع الأجرام فطلبنا جامعا و لم نظفر بجامع بين الجواهر و بعض الأعراض كما صاروا إليه من اللون و المتلون، فإن الرؤية تعلقت باللون كما تعلقت بالاجتماع و الافتراق و المماسة و المحاذاة و هي أعراض وراء اللون فلم يكن بد من تعميم الحكم في كل عرض لعموم الجامع بين الجنسين و لا إشكال في هذه المسألة سوى هذه المنزلة و هي ورطة العقول فليتحرز فيها تحرز الماشي في الوحول.
و أما الجواب عن الاعتراض الرابع نقول: الحدوث ليس يصلح أن يكون مصححا على المذهبين، أما على مذهبكم فلأن بعض الأعراض يستحيل رؤيته، فلو كان الحدوث مصححا لصح تعلق الرؤية بكل محدث و أما على مذهب أبي الحسن، فلأن الحدوث وجود مسبوق بعدم و العدم لا تأثير له فبقي الوجود مصححا.
و قولهم: معنى قولنا مسبوق بعدم أنه وجود مخصوص لا وجود عام مطلق و الوجود المخصوص باعتبار الحدوث علة مصححة.
قيل الخصوص في الوجود يجب أن يكون بصفة وجودية راجعة إلى الوجود حتى يصح مؤثرا في إثبات الحكم و سبق العدم لا يصلح أن يكون مؤثرا في إثبات الصلاحية و الصحة للرؤية فبقي الوجود المطلق و نعني بالصفة الوجودية أن يخصص الوجود مثلا بأنه جوهر أو عرض و العرض بأنه كون أو لون فهذه الاعتبارات مما تؤثر فأما العدم السابق، فلا تأثير له و الوجود باعتبار عدم سابق لا يكتسب اعتبارا و وجها إلا احتياجا إلى موجد، و هو باعتبار هذا لا يصلح أن يكون مصححا للرؤية و الإدراك.