نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٠١
الحسن جواز الرؤية في جميع الموجودات على الإطلاق خصوصا إذا قال الرؤية علم مخصوص فالعلم كما يتعلق بهذه الموجودات كذلك الرؤية و لا فرق إلا أن العلم المطلق يتعلق بالواجب و الجائز و المستحيل و هذا العلم لا يتعلق إلا بالموجود فقط فإنه يقتضي تعيين المرئي و التعيين لا يتحقق في العدم و إن سلكنا طريقة العلم فهو أسهل فإن العلم من حيث هو علم نوع واحد و حقيقة واحدة و إذا جوز تعلق العلم به فقد جوز تعلق الرؤية به.
و قد سلك الأستاذ أبو إسحاق طريقة قريبة من هذه فقال: الرؤية معنى لا تؤثر في المرئي و لا تتأثر منه فإن حكمه حكم العلم بخلاف سائر الحواس فإنها تؤثر و تتأثر و إنما يلزم الاستحالة فيه أن لو تأثرت الرؤية من المرئي أو تأثر المرئي من الرؤية و كل ما هذا سبيله فهو جائز التعلق بالقديم و الحادث و كل مؤثر و متأثر فهو مستحيل عندنا كما هو مستحيل عندكم و لا كلفة في هذه الطريقة إلا إثبات معنى في البصر لا يؤثر و لا يتأثر و قد أثبتنا من قبل أن الإدراك البصري لا يستدعي اتصال شعاع بالمرئي و لا انفصال شيء من الرائي و إذا بطل الوجهان انتفى التأثير و التأثر و صار المعنى كالعلم أو هو من جنس العلم و قد تقرر الاتفاق على جواز تعلق العلم به و هذا نهاية ما قيل في إثبات الجواز من جهة العقل.
قال المعتزلة: قد طلبتم للرؤية علة مصححة و تعين لكم الوجود فما أنكرتم أن جواز الرؤية من الأحكام التي لا تعلل فإن من الأحكام ما يعلل كالعالمية و القادرية و منها ما لا يعلل كالتحيز و قبول العرض و جميع الصفات النفسية أ ليس تعلق العلم بالمعلومات لا يستدعي مصححا إذ تعلق بالواجب و الجائز و المستحيل و لم توجد قضية هي أعم من الأقسام الثلاثة حتى تكون تلك القضية هي المصححة لتعلق العلم بها و كونها معلومة هي نفس تعلق العلم بها فتكون العلة و المعلول واحدا و إذا قررتم أن الرؤية إما علم مخصوص أو معنى في حكم العلم ثم لم تطلبوا مصححا للعلم فلم طلبتم مصححا للرؤية فقولوا تعلقت الرؤية بما تعلق به العلم أو لا علة و لا مصحح.
و اعتراض ثان: أن تقسيم الحال إلى قضية الاشتراك و الافتراق إنما يصح على مذهب مثبتي الحال و أنتم معاشر الأشعرية قد نفيتم الحال و رددتم قضايا الخصوص و العموم و الافتراق و الاشتراك إلى محض العبارات فكيف صرتم إلى إلزام أحكام الحال حتى أبطلتم قضية الافتراق و عينتم قضية الاشتراك، ثم حصرتم ذلك في قضية واحدة و هو الوجود على أن الموجودات إنما تختلف بوجودها عندكم و الوجود في الجوهر هو نفس الجوهر و كما يتمايز الجوهر و العرض بالجوهرية و العرضية تمايزا في الوجود و كما تمايز القديم و الحادث