نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٠٠
القاعدة السادسة عشرة في جواز رؤية الباري تعالى عقلا و وجوبها سمعا [١]
لم يصر صائر من أهل القبلة إلى تجويز اتصال أشعة من البصر بذاته تعالى أو انطباع شبح يتمثل في الحاسة منه و انفصال شيء من الرائي و المرئي و اتصاله بهما، لكن أهل الأصول اختلفوا في أن الرؤية إدراك وراء العلم أم علم مخصوص، و من زعم أنه إدراك وراء العلم اختلف في اشتراط البنية و اتصال الشعاع و نفي القرب المفرط و البعد المفرط و توسط الهوى المشف فشرطها المعتزلة و نفوا رؤية الباري تعالى بالأبصار نفي الاستحالة، و الأشعري أثبتها إثبات الجواز على الإطلاق و الوجوب بحكم الوعد ثم ردد قوله إنه علم مخصوص أي لا يتعلق إلا بالموجود أم هو إدراك حكمه حكم العلم في التعلق أي لا يتأثر من المرئي و لا يؤثر فيه و نحن نورد كلام الفريقين على الرسم المعهود.
قالت الأشعرية: الموجودات اشتركت في قضايا و اختلفت في قضايا، و الرؤية قد تعلقت بالمختلفات منها و المتفقات و لا يجوز أن يكون المصحح للرؤية ما يختلف فيه فإنه يوجب أن يكون لحكم واحد علتان مختلفتان و هذا غير جائز في المعقولات، أو يلزم أن يكون لحكم عام علة خاصة هي أخص من معلولها و ما يتفق فيه الجوهر و العرض إما الوجود أو الحدوث و الحدوث لا يجوز أن يكون مصححا للرؤية فإن الحدوث هو وجود مسبوق بعدم و العدم لا تأثير له في الحكم فبقي الوجود مصححا بالضرورة و هذا تقسيم حاصر فإن الرؤية بالاتفاق تعلقت بالجوهر و العرض و هما قد اختلفا من كل وجه سوى الوجود و الحدوث و قد بطل الحدوث فتعين الوجود و لا يلزم على هذه الطريقة انتشار الأقسام كما لزم على طريق الأصحاب غير استبعاد محض للمعتزلة في قولهم لو كان كل موجود مرئيا لكان العلم و القدرة و الطعم و الرائحة و ما سوى اللون و المتلون مرئيا و لكان نفس الرؤية مرئية بالرؤية و هذا محال و يلتزم أبو
[١] انظر: غاية المرام للآمدي (ص ١٥٩)، و الإبانة للأشعري (ص ٤٣)، و التمهيد للباقلاني (ص ٣٠١)، و تبيين كذب المفترى للعسكري (ص ١٢٩)، و بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (٢/ ٣٤٥، ٣٤٨، ٣٤٩، ٣٥٣، ٣٥٧)، و الصواعق المرسلة لابن قيم (٤/ ١٣٣٤).
نهاية الأقدام في علم الكلام ٢٠١ القاعدة السادسة عشرة في جواز رؤية الباري تعالى عقلا و وجوبها سمعا