نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٩٧
يكون اختلافها بالنوع أم الاختلاف راجع إلى المدركات و الإحساس بها بمعنى واحد، و هذا الخلاف بين المتكلمين و الفلاسفة.
قال المتكلمون: الحواس الخمس مشتملة على إدراكات خمس تختلف أنواعها و حقائقها و الإنسان يجد من نفسه أنه يرى ببصره و يسمع بأذنه كما يجد أنه يعلم بقلبه فالبصر محل الرؤية و الأذن محل السمع كالقلب هو محل العلم و كما يجد التفرقة بين العلم و الإدراك يجد التفرقة بين محل العلم و محل الإدراك و لأن الذي يدرك ببصره من المرئي هو الألوان و الأشكال فيستدعي ذلك مقابلة و مواجهة فالذي يدرك بسمعه من المسموع هو الأصوات و الحروف و لا يستدعي ذلك مقابلة، و كذلك المشموم و المذوق و الملموس يستدعي اتصال الأجسام و لا يستدعيه السمع و البصر، فلذلك يجوز أن يوصف الباري تعالى بأنه سميع بصير و لا يجوز أن يوصف بأنه شام ذائق لامس و كذلك لا يجوز أن يسمع الشيء من حيث يبصر و يبصر من حيث يسمع فدل ذلك على أن الإدراكات مختلفة الحقائق و المحال جميعا و هذا كله على رأي من يفرق بين الإدراك و العلم، فأما من قضي بأن الإدراك علم قضى باتحاد المحل و الحقيقة [١].
سوى أبي الحسن الأشعري فإنه يقول كل إدراك علم على قول و لا يقول كل علم إدراك بل الإدراك علم مخصوص فإنه يستدعي تعيين المدرك و يتعلق بالموجود فقط و الوجود هو المصحح بخلاف العلم المطلق فإنه لا يستدعي تعيين المدرك و لا يتعلق بالموجود من حيث هو موجود بل يتعلق بالمعدوم و الموجود و الواجب و الجائز و المستحيل، لكن من الإدراكات ما هو علم مخصوص كالسمع و البصر و تردد رأيه في سائر الإدراكات أ هي علوم مخصوصة أم إدراكات و رأي بعض أصحابه أنها إدراكات أخر، و ليس الوجود بمجرده مصححا لها فقط بل الاتصال فيها شرط فلا يتصور شم إلا باتصال أجزاء من المتروح أو من الهوى إلى المشام و كذلك الذوق و اللمس لا يتصور وجودهما إلا باتصال جرم بجرم.
و قالت الفلاسفة: يرتسم في الحواس الظاهرة بصور صورة تفيض عليها من واهب الصور عند استعدادات تحصل فيها بمقابلة الحاس و المحسوس ثم قد تكون تلك الصورة نفس الإدراك و قد يكون الإدراك شيء آخر دون تلك الصورة كمقابلة المرئي من الألوان و الأشكال في الرطوبة الجليدية من العين التي تشبه البرد و الجمد فإنها مثل مرآة فإذا قابلها متلون انطبع مثل صورته فيها كما ينطبع مثل صورة الإنسان في المرآة
[١] انظر: مقالات الإسلاميين (ص ٣٨٤).