نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٩٦
و تتعوج و تستقيم، فإذا اتصل الشعاع المنبعث من الناظر بالقاعدة على حد معلوم مع الاستقامة و لم يكن ثم بعد مفرط و لا قرب مفرط أدركه الرائي فلذلك لا يرى الشيء البعيد على غاية البعد و لا يرى باطن الأجفان و إن كانت القاعدة صقيلة ارتدت الأشعة إلى الرائي فرأى عند ذلك نفسه و ربما يظن أنه ينفصل عن المتلون صورة و يمتد إلى العين فينطبع فيها و كلا المذهبين باطل.
أما القول بالأشعة التي تنبعث من العين فبطلانه بأنا نعلم قطعا أن العين على صغرها لا تتسع لأجسام تنبسط على نصف كرة العالم فإن تلك الأجسام إن كانت موجودة بالفعل محسوسة بالجفن فوجب أن يكون قدرها مثل نصف قدر كرة السماء و هذا محال و إن حدثت في ساعة الملاحظة فما السبب لحدوثها و من المعلوم أن القدرة الحادثة لا تصلح لحدوث الأجسام و القول بتولد الأجسام أمحل، و يلزم من ذلك أيضا أن جماعة من ذوي الأبصار إن اجتمعوا على رؤية شيء وجب أن يقوي إدراك الضعيف البصر الذي معهم فإن شعاعه إن قل ما في نفسه فقد تكثر بأشعتهم، و إن ضعف عن حالة القوى فقد يقوى باشتراك أشعتهم فينبغي أن يستعين الضعيف كما يستعين بقوة ضوء السراج.
ثم الشعاع إن كان عرضا فيستحيل عليه الانتقال، و إن كان جوهرا فلا يخلو إما أن يبقى متصلا، و إما أن لا يبقى فإن بقي فيلزم أن يتفرق و يدرك الشيء متفرقا و ينبغي أن يكون مثل خط مستقيم يتحرك بتحريك الريح و ينقطع بقطع الماء و إن لم يبق متصلا فلم يدرك العين بما اتصل به بل بما انفصل عنه، فما اتصل بالمرئي لم يتصل بالعين و ما اتصل بالعين لم يتصل بالمرئي فيلزم أن لا يتحقق له إدراك أصلا.
و القول بانتقال صورة من المرئي إلى البصر باطل أيضا فإن الصورة لو انتقلت لاحترقت العين برؤية النار و هي إن كانت عرضا فهي لا تنتقل و إن كانت جوهرا فلينقص المرئي بانفصال شيء منه و لا ينفصل شيء منه إلا بسبب و لا سبب هاهنا فهو باطل فتحقق أن الإدراك معنى في حاسة المدرك ثم يبقى هاهنا مباحثة أخرى و هي أن الإدراك هل هو إدراك لصورة في حاسة المدرك تطابق الصورة الخارجة أم هو إدراك ما في الخارج من غير توسط صورة في الحاسة، و شيء آخر و هو أن محل الإدراك هو الحاسة الظاهرة من العين و الأنف و الفم و الأذن أم هي آلات و أدوات للحاسة المشتركة بينهما فيكون الحس الحقيقي فيها حتى تجتمع المختلفات فيها و يكون الإدراك إدراكا واحدا فيظن بعض العقلاء أنه هو العلم إذ هو في الباطن و يظن بعضهم إنه إدراك أخص من العلم إذ مدركه في الظاهر و الإدراكات الخمس مختلفة الحقائق حتى