نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٩٥
و التشنيعات التي ألزمها الخصم.
و أما جواب الجبائي عن القاعدة التي صار إليها من حد السميع و البصير أنه الحي الذي لا آفة به، قيل: أطلقت القول بنفي الآفة و ذلك بالاتفاق ليس بشرط فإن السميع و البصير قد يكون ذا آفة و ذا آفات كثيرة، فلا بد و أن يخص نفي الآفة بمحل الإدراك، ثم تلك الآفة يجب أن تكون مانعة من الإدراك فقد أثبت الإدراك من حيث نفاه ثم الذي يحسه الإنسان من نفسه معنى موجود لا نفي محض.
و قولهم: لا آفة به نفي محض فلا يتصور الإحساس به و يستحيل أن ترجع التفرقة بين حالتي الإدراك و عدم الإدراك إلى عدم محض فحينئذ تنعدم التفرقة فإن التفرقة بالعدم و عدم التفرقة سوي.
ثم نقول: نحن نجد تفرقة ضرورية بين كون الإنسان سميعا و بين كونه بصيرا و هما متفقان في أن معنى كل واحد منهما أنه حي لا آفة به فهذه التفرقة ترجع إلى ما ذا فلا بد من أمرين زائدين على كونه حيا لا آفة به حتى يكون بأحدهما سميعا و بالثاني بصيرا و إلا فتبطل التفرقة الضرورية فالذي انفصل به السمع عن البصر، و هو وراء كونه حيا لا آفة به فكذلك الذي انفصل به السمع و البصر عن العلم و سائر الصفات وراء كونه حيا لا آفة به و لئن ألزم الجبائي بأن يقال معنى كونه عالما قادرا أنه حي لا آفة به حتى يرد الصفات كلها إلى كونه حيا لا آفة به لم يجد عن هذا الإلزام مخلصا.
و قد قال بعض العقلاء: و قرر أن جميع صفات الكمال تجتمع في كونه حيا و تنتفي صفات النقص بقولنا لا آفة به و أما اشتراطهم البنية حسب اشتراط الحياة غير صحيح فإن الإدراك الواحد لا يقوم إلا بجزء واحد من الجملة و إذا قام به أفاد حكما له و لا أثر للجواهر المحيطة فإن كل جوهر مختص بحيزه موصوف بأعراضه و كما لا يؤثر جوهر في جوهر لا يؤثر حكم جوهر في جوهر آخر و لا يختلف حكم جوهر بعينه في تفرده و انضمامه و إذا جاز قيام الإدراك به مع اتصاله بالجواهر جاز قيامه به مع تفرده فإنه لا يتحول عن صفته تفرد أو انضم إلى غيره خصوصا إذا كان الإدراك في صفة نفسه لا يقتضي جمعا و ضما و إضافة و نسبة و لم يكن من الأعراض الإضافية بخلاف الاجتماع و الافتراق و المماسة ثم لو كانت البنية شرطا كاشتراط كونه حيا لوجب طرده في الغائب حتى يكون الباري تعالى في علمه و قدرته ذا بنية كما كان حيا لأن الشروط يجب طردها شاهدا و غائبا.
و من العجب أنهم كما شرطوا البنية شرطوا في الرؤية اتصال الأشعة و هي أجسام مضيئة تنبعث عن البصر عند فتح الأجفان و هي أجسام تتشكل و تتحرك