نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٩٣
فإن قيل: ما الدليل على أن الاتصاف بضد السمع و البصر من النقائص.
قيل: لما علم أن السمع و البصر من صفات المدح، فذلك دليل على أن الاتصاف بأضداد ذلك نقائص و آفات و يجب تعاليه عنها و قد وصف الرب تعالى نفسه بالسمع و البصر على وجه التمدح كما وصف نفسه عالما قادرا حيا على وجه التمدح فلو لا أنهما صفتا مدح لما تمدح بهما فيلزم أن يكون ضدهما صفتا ذم و نقص و النقص دليل الحدوث و لو قدرنا الإدراك صفة زائدة على العلم أو قلنا: إنه العلم ففي نفيه نقص و قصور، فلن يتحقق نقص إلا ممكنا محتاجا إلى مكمل لتعود الذات إلى الكمال و ذات الباري تعالى و صفاته منزهة عن شوائب الإمكان و لا نقص في ذاته و صفاته.
قال الكعبي: إنما يصح لكم إثبات إدراك غائبا بعد إثباته شاهدا، و نحن لا نساعدكم أن السمع و البصر إدراكان زائدان على العلم.
أما الكعبي فقد قال: الذي يجده الإنسان من نفسه إدراكه للمسموع و المبصر بقلبه و عقله و لا يحس بصره بالمبصر بل يحس المبصر و يسمع السامع لا الآذان و ذلك هو العلم حقيقة و لكن لما لم يحصل له ذلك العلم إلا بوسائط بصره سمي البصر حاسة و إلا فالمدرك هو العالم و إدراكه ليس زائدا على علمه.
و الدليل على ذلك أن من علم شيئا بالخبر ثم رآه بالبصر وجد تفرقة بين الحالتين إلا أن تلك التفرقة ليست تفرقة جنس و جنس و نوع و نوع بل تفرقة جملة و تفصيل و عموم و خصوص و إطلاق و تعيين و إلا فشعور النفس بهما في الحالتين واحد.
قال: و لو كان المدرك مدركا بإدراك للزم أن يحضر عند الحاسة السليمة قينة تلعب و أنعام تسرح و طبول تضرب و صور تنفخ فيه و هو لا يراها و لا يسمعها، إذ لم يخلق له إدراك ذلك، و كذلك يجوز أن يرى الشخص البعيد و لا يرى القريب لأنه خلق له إدراك البعيد دون القريب و قد علمنا ضرورة أن الأمر على خلاف ذلك.
و قال الجبائي: إن الحي إذا سلمت نفسه عن الآفة سمي سميعا بصيرا و لا معنى للإدراك شاهدا و غائبا إلا ذلك.
و الدليل عليه أن الذات إذا سلمت أدركت كل معروض عليها من المتماثلات و المختلفات و إدراكها السواد كإدراكها البياض و لو كان مدركا بإدراك لجاز أن يدرك بعض الأشياء دون بعض مما يقابل المدرك فكان يجوز أن يدرك بياضا و لا يدرك سوادا و هما متقابلان للحاسة في حالة أو حالتين متعاقبتين كما أن العالم منا جاز أن يعلم شيئا دون شيء.
قالوا: و إن سلمنا ثبوت الإدراك في الشاهد فلم نسلم أن المصحح مجرد كون