نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٩
واحدا، و أحدهما سبب و الثاني مسبب كما يقال في الاستطاعة مع الفعل لكن الممتنع وجود ما له أول مع وجود ما لا أول له و قد بينا أن هذه المعية ممتنعة على الوجود كلها أعني بالذات و الوجود و الزمان و الرتبة و الفضيلة فإن التقدم و التأخر، و المع يطلق على الشيئين إذا كانا متناسبين نوعا من المناسبة و لا نسبة بين الباري تعالى و بين العالم إلا بوجه الفعل و الفاعلية و الفاعل على كل حال متقدم و المفعول متأخر يبقى أن يقال:
هل كان يجوز أن يخلق العالم قبل ما خلقه بحيث يكون نسبة بدوه إلى وقتنا أكثر زمانا فيجاب عنه أن إثبات الأولية و التناهي للعالم واجب تصوره عقلا إذ البرهان قد دل عليه و ما وراء ذلك تقدير و همي يسمى تجويزا عقليا و التقديرات و التجويزات لا تقف و لا تتناهى، و هو كما إذا سألتم هل كان يجوز أن يحدث العالم أكبر مما خلقه بحيث يكون نسبة نهايته إلى مكاننا أكبر مسافة فيجاب عنه أن إثبات الحد و التناهي للعالم واجب تصوره عقلا إذ البرهان قد دل عليه ما وراء ذلك فتقدير ذهني يسمى تجويزا عقليا و التقديرات و التجويزات لا تتناهى فتقدير مكان وراء العالم مكانا كتقدير زمان وراء العالم زمانا و بالجملة حدث العالم حيث يتصور الحدوث و الحادث ما له أول و القديم ما لا أول له، و الجمع بين ما له أول و بين ما لا أول له محال هذا ما نعقله من الحدوث ضرورة و هو كتناهي العالم من الحجمية و الجسمية حذو القدة بالقدة.
فإن قيل: قد دل البرهان العقلي على أن جسما ما لا يتناهى ذاته بالفعل مستحيل وجوده فبينوا أن حركات متعاقبة و حوادث متتالية لا تتناهى مستحيل وجودها فإن عندنا التناهي و اللاتناهي إنما يتطرق إلى أربعة أقسام اثنان منها لا يجوز أن يوجدا غير متناهيين الذات و هو ما له ترتيب وضعي كالجسم أو طبيعي كالعلل فجسم لا تتناهى ذاته مستحيل وجوده و علل و معلولات لا تتناهى بالعدد مستحيل وجودها أيضا و لكل واحد من القسمين ترتيب في الوجود أما الجسم فله ترتيب وضعي و لأجزائه اتصال، و لكل جزء منه إلى جزء نسبة فلا يجوز وجود جسم غير متناه في زمان واحد، و أما العلل فلها ترتيب طبيعي، فإن المعلول يتعلق بعلته و لكل معلول إلى علته نسبة فلا يجوز وجود جسم و علل و معلولات لا تتناهى، و أما القسمان اللذان يوجدان غير متناهي الذات فإن أحدهما الحوادث و الحركات التي لا تترتب بعضها على بعض لضرورة ذاتها بل تتعاقب و تتوالى شيء بعد شيء في أزمنة غير متناهية فإن ذلك جائز عقلا و الثاني النفوس الإنسانية فإنها موجودات لم تتعاقب بل هي مجتمعة في الوجود و لكن لا ترتيب لها وضعا كالجسم و لا طبعا كالعلل فيجوز أن توجد غير متناهية.