نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٨٩
و ضاق عن بسطها بيان و بنان و كل ذلك في لحظة واحدة كأنها طرفة عين و كما غفوت رأيت جملة من ذلك ثم يعبر عنها بعبارات كثيرة و ربما يظن أن مثاله مثال انطباع صورة في المرآة في لحظة و هذا إن صدق مثالا في الصورة المبصرة فكيف يصدق في الكلام الكثير من السؤال و الجواب فإنها لا تنطبع معا في المرآة، إذ لا بد من تعاقب حروف و لا بد للتعاقب من أزمنة متتالية حتى تدركها النفس، و قد يرى الرائي في المنام أنه ختم القرآن و يذكر انتقالات ذهنه من سورة إلى سورة و من آية إلى آية كل ذلك خطرة و لحظة فيعلم من ذلك ضرورة أن المدرك لذلك لو كان جسما أو قوة في جسم لاستدعى محلا لهذه الإدراكات تتعاقب عليه المعاني و الصور و تتتالى عليه الآيات و السور، و يستدعي ذلك التعاقب زمانا و أوقاتا و تقدما و تأخرا فاطلع من ذلك على أن النفس ليست من جنس الأجسام و الأجرام، فإن إدراكاتها التي لها بالذات ليست من جنس الإدراكات الحسية بالآلات الجسمانية، و إنها فوق المكان و الزمان جوهرا و إدراكا، و ليست هذه الحالة مخصوصة بالمنام بل و في حالة اليقظة لها ثلاثة أحوال أحدها: أن يرتسم فيها صورة المعلومات مفصلة مسألة مسألة، و الثانية أن ترتسم فيها جملة غير مفصلة لكن يحصل لها قوة و هيئة تقوى بها على تلك المسائل و الثالثة: أن يحصل لها من العقل بالفعل و الملكة في الفعل أنه إذا سمع كلاما في المناظرة مشتملا على شبهة وقع في خاطره جواب ذلك في أوحى ما يقدر و أسرع ما ينتظر كأنه معنى واحد ثم يعبر عنه بعبارات كثيرة و يبسطه بسطا واسعا يشمل أوراقا و يملأ أسماعا فتحدس من ذلك أن النفس الإنسانية لو كانت من جملة الأجسام لما كان حالها كما وصفنا، و لو كانت من عداد سائر النفوس الحيوانية المزاجية لما كان إدراكها إدراكا غير زماني و حال اليقظة فيما ذكرنا بحال الأنبياء أشبه و حال المنام بحال الأولياء أقرب فقد تبين مما ذكرنا أن النفس الإنسانية ليست من شبح الأجسام التي تتناهى بالحدود و تنقسم بالقسم و إن النطق الذي لها ليس من جملة النطق اللساني الذي يختلف بالأمصار و الأمم و إنها هي الأصل في الإنسانية و المخاطبة بالأحكام التكليفية.
اعترض عليهم معترض من وجوه ثلاثة أحدها: اعتراض على الحدود و الرسم الذي ذكروه، و الثاني اعتراض على خواص أفعالها، و الثالث اعتراض على إدراكاتها و أحوالها وردها إلى مدرك آخر.
أما الأول فقولهم: حد النفس بالمعنى الذي يشاركه النفس الحيوانية و النباتية أنه كمال جسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة قيل أولا ما المعني بالكمال الذي ذكرتموه أ هو جزء من جسم أم عرض في جسم أم أمر آخر وراء الجسم فإنكم ذكرتم أنها