نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٨٥
إن كان منطقيا و بالإشارة و الإيماء إن كان أبكم، فعلم من ذلك أن الذي حصل في الخيال غير و الذي حصل في النفس غير و أن الذي حصل في العقل غير و من أمكنه التمييز بين هذه الاعتبارات سهل عليه تقدير النطق النفساني و القول بأن ذلك المعنى جنس و نوع من المعاني له حقيقة لا تختلف و الذي في الخيال و اللسان ليس جنسا و نوعا حقيقيا ثابتا بل يختلف ذلك بحسب الاصطلاح و المواضعة و على إمكان التعبير من حال إلى حال و من شخص إلى شخص و مكان إلى مكان و ذلك ليس كلاما حقيقيا و لا نوعا متنوعا و يتبعه الذي في الخيال من الصور و الأشكال عن الحروف و الكلمات التي في السمع و عن المبصرات و المدركات التي في البصر لكن المعاني التي في النفس حقائق موجودة تتردد فيها النفس بنطقها الذاتي و تمييزها العقلي و هذا لا ينكره إلا من أنكر نفسه و عدم حديثه و حسه.
و قولهم: يجوز أن يحصل التفاهم بالنقرات و الرمزات كما يحصل بالعبارات [١].
قلنا: و هذا من الدليل القاطع على أن الذي في اللسان كلام مجازي، فإن التفاهم حاصل بغيره و الفهم نطق نفساني دون العلم العقلي فإن الإنسان يجوز أن يفهم باطلا و ينكره بعقله، فالفهم غير ذلك فالفهم غير و العلم غير، و ذلك الفهم مدلول كلام القائل فقط و هو نطق مجرد نفساني و محاورة فكرية إذ يديره في خلده فيجيب عنه تسليما له و اعتراضا عليه و ربما يكون معنى في الذهن يبسط و يشرح في العبارة و ربما يكون معاني كثيرة تقبض و تختصر في اللفظ و بالجملة مدلولات العبارات و الإشارات نطق نفساني بخلاف مدلولات أصوات البهائم و تغريد الطير، فإنها و إن حصل بها التفاهم الخيالي فلم يحصل بها الفهم النفساني حتى تتصرف فيما سمعته بالكلية و الجزئية و الموجبة و السالبة و الذاتية و العرضية فقد عدمت تلك النفوس ما هو من خواص النفس الإنسانية و عدمت أيضا ما هو من خواص العقل الإنساني من الاعتبارات الكلية التي له، و الأحكام الجزئية التي إليه و بالجملة فهي عادمة الكليات واجدة الجزئيات فلم تكن أصواتهم و ألحانهم قولا و نطقا و ما ورد في التنزيل من نسبة الكلام إلى أمثالهم فهو محمول على أحد وجهين أحدهما: أنه أعطاهم عقلا و أنطقهم حقيقة بحرف و صوت، و جعل ذلك معجزة لذلك النبي الذي هو في زمانه، و الثاني: أنه أجرى على لسانهم و هم لا يعرفون كلاما ففهمه نبي ذلك الزمان من غير أن يشعر به المتكلم من الوحش
[١] انظر: غاية المرام للآمدي (ص ١٠١)، و الصواعق المرسلة لابن قيم (٢/ ٦٤٥).