نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٨١
و حدث الصوت، و إن كان من قلع انقطع الجسمان و انفلت الهوى بشدة و حدث الصوت و وصل الموج إلى الهوى الراكد الذي في الصماخ و انفعل به و هو مجاور للعصبة المفروشة في أقصى الصماخ الممدودة مد الجلد على الطبل فيحصل فيه طنين فتشعر به القوة المودعة في تلك العصبة فيصل إلى القوة الخيالية فيتصرف الخيال فيه تقديرا فيصل إلى القوة النفسانية فتتصرف النفس فيه تفكيرا فيصل إلى القوة العقلية فيتصرف العقل فيه تمييزا و للمعنى صعود من المحسوس المسموع إلى المعقول المعلوم صعودا من الكثرة إلى الوحدة و نزول من المعقول المعلوم إلى المحسوس المسموع نزولا من الوحدة إلى الكثرة و العرفان مبتدئ من تفريق و نقض و ترك و رفض ممعن في جمع هو جمع صفات الحق للذات المريدة للصدق ثم انتهى إلى الوحدة ثم وقوف و هذا من حيث الصعود و العرفان مبتدئ من توحيد و تفكير و تمييز و تصوير ممعن في معرفة هي معرفة صفات الخلق ثم انتهى إلى الكثرة ثم وقوف و هذا من حيث النزول.
و صار أبو الهذيل و الشحام و أبو علي الجبائي: إلى أن الكلام حروف مفيدة مسموعة مع الأصوات غير مسموعة مع الكتابة و صار الباقون من المعتزلة إلى أن الكلام حروف منتظمة ضربا من الانتظام و الحروف أصوات مقطعة ضربا من التقطيع و هل يجوز وجود حروف من غير أصوات كما جاز وجود أصوات من غير حروف فيه خلاف بينهم.
و صار أبو الحسن الأشعري إلى أن الكلام معنى قائم بالنفس الإنسانية، و بذات المتكلم، و ليس بحروف و لا أصوات، و إنما هو القول الذي يجده العاقل من نفسه و يجيله في خلده، و في تسمية الحروف التي في اللسان كلاما حقيقيا تردد أ هو على سبيل الحقيقة، أم على طريق المجاز، و إن كان على طريق الحقيقة فإطلاق اسم الكلام عليه و على النطق النفسي بالاشتراك [١].
قالت الأشعرية: العاقل إذا راجع نفسه و طالع ذهنه وجد من نفسه كلاما و قولا يجول في قلبه تارة إخبارا عن أمور رآها على هيئة وجودها أو سمعها من مبتدئها إلى منتهاها على وفق ثبوتها و تارة حديثا مع نفسه بأمر و نهي و وعد و وعيد لأشخاص على تقدير وجودهم و مشاهدتهم ثم يعبر عن تلك الأحاديث وقت المشاهدة، و تارة نطقا عقليا إما بجزم القول إن الحق و الصدق كذا و إما بترديد الفكر أنه هل يجوز أن يكون الشيء
[١] انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (ص ٦٠٤، ٦٢٥)، و الملل و النحل للمصنف (١/ ٩٦)، و منهاج السنة النبوية (٣/ ٢٢٥)، و العقيدة الأصبهانية (ص ٩٦)، و التمهيد للباقلاني (ص ٢٨٣).