نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٧٨
بألسنتنا و صارت صفات لنا فإنا على قطع نعلم افتتاحها و اختتامها و تعلقها بأكسابنا و أفعالنا و قد بذلت السلف أرواحهم و صبروا على أنواع البلايا و المحن من معتزلة الزمان دون أن يقولوا: القرآن مخلوق، و لم يكن ذلك على حروف و أصوات هي أفعالنا و أكسابنا، بل هم عرفوا يقينا أن اللّه تعالى قولا و كلاما و أمرا، و إن أمره غير خلقه بل هو أزلي قديم بقدمه كما ورد ذلك في قوله: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ [الأعراف: ٥٤]، و قوله: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ [الروم: ٤]، و في قوله سبحانه: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: ٤٠]، فالكائنات كلها إنما تتكون بقوله و أمره و قوله: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]، و قوله: وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ [البقرة: ٣٠]، وَ إِذْ قُلْنا [البقرة: ٣٤]، قالَ اللَّهُ هذا كله قول قد ورد في السمع مضافا إلى اللّه تعالى أخص إضافة من الخلق فإن المخلوق لا ينسب إلى اللّه تعالى إلا من جهة واحدة و هو الخلق و الإبداع و الأمر ينسب إليه لا على تلك النسبة و إلا فيرتفع الفرق بين الأمر و الخلق و الخلقيات و الأمريات.
قالوا: من جهة المعقول العاقل يجد من نفسه فرقا ضروريا بين قال و فعل و بين أمر و خلق و لو كان القول فعلا كسائر الأفعال بطل الفرق الضروري فثبت أن القول غير الفعل و هو قبل الفعل و قبليته قبلية أزلية، إذ لو كان له أول لكان فعلا سبقه قول آخر، و يتسلسل، ثم لما أجمعت السلف على أن هذا القرآن هو كلام اللّه تعالى لم يرد مناهج إجماعهم و لم يبحث أنهم أرادوا القراءة أو المقروء و الكتابة أو المكتوب، كما أنهم إذا وصلوا إلى تربة الرسول صلى اللّه عليه و سلم قالوا هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و حيوا و صلوا و سلموا تسليما من غير تصرف في أن المشار إليه شخصه أم روحه.
و حققوا زيادة تحقيق فقالوا: قد ورد في التنزيل أظهر مما ذكرناه من الأمر و هو التعرض لإثبات كلمات اللّه تعالى حيث قال عز من قائل: وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ [الأنعام: ١١٥]، ثم قال: وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ [يونس: ١٩]، و قال: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي [الكهف: ١٠٩]، و قال: وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ