نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٧٥
مجلدة واحدة لنظمها و بيانها، و كل ذلك قد يراه في منامه في أقل من لحظة واحدة، و يعلم يقينا أنه رآه حين رآه و سمع ما سمع كأنه شيء واحد و معنى واحد، لكن التعبير عنه استدعى أوراقا و صحائف طباقا و كيف لا و المرء يجد من نفسه وجدانا ضروريا أنه إذا سئل عن إشكال في مسألة اعتراه و جوابه و حله جملة في أقل من لحظة، ثم يأتي في شرح ذلك بلسانه بعبارات حتى يمتلئ أذان و أسماع كثيرة إن سمعها و وعاها أو يستثبته بقلمه حتى يسود بياضا كثيرا إن سطرها و زبرها و المعنى في الأصل كان واحدا و الشرح منبسطا و الحب يكون واحدا و السنبلة متكثرة كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَ اللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ [البقرة: ٢٦١]، و من وجد بمشام صدقه شمائم الروحانيات و وقع في أطراف رياض المعقولات و إن كان محوما عليها غير واغل في خميلتها علم قطعا أن العقل أحدي الإدراك و النفس وحداني القول و إنما التكثر في عالم الحس يتصور و الاختلاف في عالم العبارات يتحقق و إذا كانت عقولنا و نفوسنا على هذا النمط من التوحيد فكيف الظن بقدس الإحاطة الأزلية و وحدانية الكلمة السرمدية.
قالت المعتزلة: أجمع المسلمون قبل ظهور هذا الخلاف على أن القرآن كلام اللّه و اتفقوا على أنه سور و آيات و حروف منتظمة و كلمات مجموعة و هي مقروءة مسموعة على التحقيق، و لها مفتتح و مختتم و أنه معجزة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم دالة على صدقه، و لا تكون المعجزات إلا فعلا خارقا للعادة، و كان السلف يقولون: يا رب القرآن العظيم، يا رب طه، يا رب يس، و إنما سمي القرآن قرآنا للجمع من قولهم: قرأت الناقة لبنها في ضرعها و الجمع إنما يتحقق في المفترق و الكلام الأزلي لا يوصف بمثل هذه الأوصاف، و مما أجمعت عليه الأمة أن كلام اللّه تعالى بين أظهرنا نقرأه بألسنتنا و نمسه بأيدينا و نبصره بأعيننا و نسمعه بآذاننا، و عليه دلت النصوص، وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة: ٦]، لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٩]، و الصفة الأزلية كيف توصف بما وصفنا.
قالت الأشعرية: أنتم أول من خالف هذا الإجماع فإن عندكم كلام اللّه تبارك و تعالى حروف و كلمات أحدثها في محل و كما وجدت فنيت و الذي كتبناه بأيدينا فعلنا، و الذي قرأنا بألسنتنا كسبنا، و كذلك نثاب على فعل ذلك و نعاقب على تركه، فليس الكلام الذي بين أظهرنا كلام اللّه و ما كان كلاما للّه فليس بين أظهرنا و لا كان دليلا و معجزة و لا قرأناه و لا سمعناه بل الذي نقرأه مثل ذلك أو حكاية عن ذلك كمن يروي شعر امرئ القيس بعد موته، و عن هذه الشنعة صار أبو علي الجبائي إلى أنه