نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٧٣
يتصور التقدير في حق الباري و التقدير ترديد الفكر و تصريف الخواطر و ذلك من عمل الخيال و الوهم أم يتعلق بالوجود حقيقة و الوجود محصور متناه و نحن نعتقد أن معلوماته و مقدوراته لا تتناهى و إنما يتصور ذلك فيما لم يوجد و يمكن أن يوجد أم تقرر أن العلم صفة صالحة لدرك كل ما يعرض عليه من غير قصور و القدرة صالحة لإيجاد كل ما يصح وجوده من غير تقاصر ثم ما يصح أن يعلم و يجوز أن يوجد لا يتناهى فعلى هذا المعنى نقول المعلومات و المقدورات لا تتناهى و المتعلق من حيث المتعلق راجع إلى صلاحية الصفة للكل و من حيث المتعلق راجع إلى صحة المعلوم و المقدور و كذلك قولنا في السمع و البصر و كونه سميعا بصيرا بل الجمع بين المسألتين هاهنا أظهر فإن السمع لا يتعلق بالمعدوم و كذلك البصر فلا يكون المعدوم مسموعا و مبصرا بل إنما يصير مدركا بهما حيث يصح الإدراك و هو حال الوجود فقط لا قبله تحقيقا كان أو تقديرا كذلك الأمر الأزلي يتعلق بالمأمور به حتى يصح التعلق و هو حال الوجود المتهيأ لقبوله من كونه حيا عاقلا بالغا متمكنا من الفعل كسائر الصفات على السواء فليس يختص السؤال بمسألة الكلام و وجه الحال ما قد سبق التقرير به.
و قولهم: إن كلاما لا تحقق له أقسام الكلام غير معقول.
قلنا: و ما أقسام الكلام فإن المتكلمين حصروها في ستة و سائر الناس زادوا أقساما:
مثل النداء و الدعاء، و زادوا في كل قسم من الأمر و النهي أقساما مثل أمر الندب و أمر الإيجاب و نهي التنزيه و نهي التحريم، و في كل قسم من الخبر و الاستخبار أقساما مثل الخبر عن الماضي و المستقبل و المواجهة و المغايبة و غير ذلك، و من تصدى ليردها إلى ستة فقد قضى بتداخل أقسام منها في أقسام و لغيره أن يتصدى لردها إلى قسمين الخبر و الأمر أما الاستخبار فلا يتصور في حقه تعالى على موجب حقيقة الاستفهام بل حيث ورد فمعناه التقرير و الإخبار كقوله تعالى: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [الأعراف: ١٧٢]، مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ [القصص: ٧١] أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل: ٦٠]، و معنى الكل راجع إلى تقرير الخطاب للمخاطب أن الأمر لا يتصور إلا كذلك، و أما الوعد و الوعيد فظاهر أنهما خبران يتعلق أحدهما بثواب فسمي وعدا، و تعلق الثاني بعقاب فسمي وعيدا كما أمكن أن يرد النداء إلى الخبر يا زيد يا عمرو أي أدعو زيدا.
و أما القسم الثاني: و هو الأمر فهو و النهي لا يجتمعان لكن كلام اللّه تعالى إذا تعلق بمتعلق خاص على صيغة الأمر، و لم يتصل بتركه زجرا كان ندبا، و إن اتصل به زجرا سمي ذلك إيجابا و كذلك النهي إذا لم يرد على فعله وعيد سمي تكريها و إن ورد سمي تحريما ثم هما يشتركان في كونهما أمرا و نهيا و إن رد الأمر و النهي إلى معنى واحد